مثلما توقعنا بالضبط فإنه طوال أيام هذه الإجازة الطويلة لم تتوقف كتابات البعض وبكائياتهم على أن الناس لم يستفيدوا منها ولم يفرحوا فيها ولم يرفهوا عن أنفسهم خلالها ولم ولم ولم … إلى آخره من معزوفات باتوا يرددونها في كل مناسبة صرنا نعرفها ككلمة حق لكن يُراد بها باطل . فالحق أن الغالبية تشعر بالفراغ وطول الإجازة وعدم وجود البرامج والمرافق التي يمكن قضاء أيام الإجازات فيها . غير أن الباطل هو أن غالب هذه البكائيات على حال البحرينيين في الإجازات صبّت جام غضبتها على الإسلاميين أو ما سمّاه بعضهم ببوصلة العقيدة أو القيود الدينية أو ميزان الحلال والحرام أو التزمت الاجتماعي أوالتراجع الحضاري وطالبوا بأن يرفع الإسلاميون أيديهم عن إعلان الوصاية على المجتمع، وأن لا يتدخلوا في فرض مرئياتهم وأفكارهم على السلوكيات وأن يتركوا الناس يفرحوا في إجازاتهم بلا تدخل منهم .
وأحسب أن القراء الكرام يعرفون ماهية الفرح الذي يقصدونه على طريقتهم هؤلاء البكاؤون ، فرح بدون ميزان الحلال والحرام ، وبدون بوصلة الدين ، وبدون مراعاة قيمه وبدون أية قيـود إسلامية ، هكذا قالوا وكتبوا . كأنما البحرين مجتمعاً غربياً ، في بريطانيا أو أمريكا أو فرنسا أو روسيا مثلاً وليس مجتمع مسلم تجذر في أصوله وفروعه قوله تبارك وتعالى : ( وما كان لبشر إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) وبالتالي لا مكان للبكاء – مثلاً – على منع حفلة لمغنية وراقصة عُرفت بقمة الابتـذال في العري والتفسـخ وصارت علماً بارزاً فيه . ولا مكان للبـكاء – مثلاً – على منع مغنيـة تعــدّت واستهزأت على الذات الإلهيــة بقولها في إحدى مقابلاتها إن الله سيدخلها الجنة على ( وحدة ونص ) !
بالمناسبة أرسلت لي قارئة عزيزة مهتمة مقالين لبعض البكائين ، أحدهما يبكي على (هيفاء ) والآخر يبكي على ( نانسي ) . وعلّقت القارئـة بأنه لو كانوا مخلصـين في بكائهم على أفـراح وإجــازات البحرينيين لكان الأولى أن يبكون على ( عذاري ) التي تم إغلاقها منذ ما يقارب الثلاث سنوات وترقب الناس افتتاحها في عيد الفطر الماضي لكن واعدوهم بفتحها في عيد الأضحى المبارك ، ثم مرّ هذا العيد بدونها . وأشارت إلى أن ( عذاري ) بحرينية المنشأ والجمهور بينما ( هيفاء ونانسي ) غريبتان في منشأهما وجمهورهما .
وأحسب أيضاً أن الجميع على علم ودراية أن هذا النوع من الفرح – محل بكاء البعض – لا يستقطب عموم البحرينيين ولا يستهويهم ليس بسبب الابتذال والتفسخ أو القيود الدينية ( كما يسمونها ) فحسب ، بل أيضاً لأن أسعار تذاكره لا تتناسب مع مداخيلهم ومستوياتهم المعيشية التي باتت تعمل للدينار ألف حساب في أكلها وشربها والوفاء بمتطلبات عيشتها. ولذلك فإن الفرح الذي يقصده الناس ويفتقدونه ويريدونه في البحرين ( ونرجو أن يتم البكاء عليه ) هو أن يجدوا مرافق سياحية تستوعبهم من حدائق ومنتزهات وشواطيء وسواحل وبرامج لا يُعصى الله فيها ولا تُحارب فيها الأخلاق ولا تُداس فيها الفضيلة على النحو الذي يريده البكاؤون من بعض القوم الذين عادة ما تثور ثائرتهم ضد الفضيلة وتسيل أحبارهم بأقذع الألفاظ للملتزمين والمتدينين خاصة عندما يتم التداعي لرد الاعتبار للعادات والقيم المرعية والالتزام بالتعاليم والضوابط الأخلاقية والقيمية في الاحتفالات والمهرجانات وكذلك السياحة التي تم قصرها واختطافها – للأسف الشديد – لشأن آخر ، كما ترون وتقرأون وتسمعون .