راصد

عندما يحمي قانون الأرض المستهترين بقانون السماء

بعث لي أحد القراء الأعزاء رسالة يستفسر فيها عن أسباب الفزعات التي يثيرها البعض بين الحين والآخر عن محاكمة الصحفيين والمطالبة بعدم المساس بهم والاستنجاد بمنظمات وهيئات تساندهم في مطلبهم الغريب الذي يتعلق بالحصول على حصانة غير مسبوقة . وأترككم مع هذه الرسالة التي كتبها القاريء عبدالحميد أحمد : أمسكت بالكتاب، وقرأت، وتخيلت؛ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم – كأني أراه – يتخلل صفوف مسجده بالمدينة، وأصحابه قد لوَوا أعناقهم ينظرون إليه قاصداً منبرَه. يصعد الرسول المنبر، فتشخص إليه الأبصار، ثم يحمد الله تعالى ويثني عليه بما هو أهله، ويقول : أيها الناس:

“مَثَلُ القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلَها، وكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء مرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنّا خرَقنا في نصيبِنا خرقاً ولم نُؤذِ مَن فوقَنا. فإِن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجَوا جميعاً”.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسنُّ قانوناً مجتمعياً عظيماً لا يستثني أحداً، سَمِّهِ إن شئت قانونَ حماية المجتمع وتأمين سلامته، وليكن أحدَ بنوده احترام الإنسان أخاه الإنسان، وليكن من تفاصيله أن الناس متساوون في فرص الانتصار والانتصاف ممن ظلمهم، وأنهم متساوون في فرص القِوَد منهم إن لم يكن الحق إلى جانبهم.

فَهِمَ ذلك مَن كان يستمع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظة، وعلموا ألا أحد منهم خارج دائرة المساءلة؛ فرضي رجالٌ أمثال عمر وعلي وغيرهما رضي الله عنهم بالجلوس قرب خصوم أقل منهم شأناً، وربما حكم القاضي بالحق لأولئك الخصوم، ولم يشعر عمر أو علي بالحرج من ذلك. رضي خليفة المسلمين نفسه بالجلوس أمام القاضي دونما حرج، ورضي قادة عظام – أمثال خالد بن الوليد رضي الله عنه – بالمساءلة أمام جنودهم من غير أن يشعر أحد منهم بالمهانة، بل لم يمتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من أن يقتص منه أحدهم في موطن من المواطن، ولم يرضَ بأن يُشرِّع لنفسه استثناءً يحميه أو أن يجعل لنفسه حصانةً دون غيره من الناس.

حلَّق بي الخيال وأنا أقرأ هذا الحديث الشريف وطاف بي في ثنايا المجتمع، فوجدت ركاب السفينة من كافة فئات ذلك المجتمع، ووجدت التحذير النبوي لم يستثنِ أحداً. قلت: لم – إذن – يقيم صحفي في زماننا هذا الدنيا إن تعرض له إنسان بالمساءلة، ويرى أنه فوق المساءلة، وأن له حصانةً دون غيره من عباد الله؟ والحق أنه كغيره من البشر، ربما يصيب قليلاً ويخطئ كثيراً، ويمكن أن يكون صاحبَ قيم حميدة، أو أن تبلغ به الحال لأنْ يُقال إذا ذُكر اسمه (أعزَّ الله السامعين). الصحفي بطلبه الحصانة يختار – ضمن ما يختار – أن يقذف ويجرح ويشتم ويكذب ويخط بقلمه ما يحلو له (وربما لا يحلو للمقذوف والمجروح والمشتوم والمكذوب عليه) ويطلب أن يحيطه القانون بالحرس الخاص فلا يتعرض له أحد؛ تلك إذن قسمةٌ ضيزى.

جميلٌ – بل ومطلوبٌ – أن يتمتع الصحفي بمساحةٍ من حرية التعبير وإبداء الرأي، ولكن من القبيح والله أن يطالب هذا الصحفي بحجب ذلك الحق عن غيره، ثم يطلب من القانون أن يوثق إنساناً آخر ليلطمه هو على خده، وأن يكممَ فاه لكي لا يأخذ ذلك الآخر حقه بيده، بل لا يترك له حتى فرصة الحديث عن حقه؟ أليس من العيب أن يجمع ذلك الصحفي أحزابه من أطراف الأرض ممن يسميهم الصحفيون نقابات حماية حرية الرأي والتعبير لكي تنتصر له وهي التي لم تسمع من الطرف الآخر، وإنما اكتفت بسماع نعيق صاحبها الذي وضع نفسه فوق المساءلة، ويترك الطرف الآخر ينتظر الإنصاف من محكمة الآخرة، بين يدي الحكَم العدل؟ ونعم الحكَمُ العدل!

أليس استغفالاً للناس وضحكاً على عقولهم أن يَفْغَرَ بعض الصحفيين أفواههم ويدفعوا بحدقاتهم خارج محاجرها استغراباً من مقاضاتهم من قبل بعض أصحاب الحقوق، ويروا ذلك مصادرةً لحرية الرأي والتعبير التي يزعم بعضهم أنهم يحملون لواءها، وكأنَّ أولئك الصحفيين الجهابذة – الناعقين بخلاف ما يفعلون – ما قالوا وما كتبوا وما كذبوا وما استهزؤوا وما ألَّبوا وما أبرموا الأمور بليلٍ كي يشفوا غليلهم ممن يخالفهم الرأي، ثم هم لا يسمحون للآخر بأن يفكر في طلب الانتصاف ممن ظلمه؟!

أتساءل: أليست الصحافة منبراً يمكن أن يصدر عنه أي خطاب، محسناً كان أو مسيئاً؟ ألا تقوم بعض المنابر الصحفية بزرع قيم الفضيلة في المجتمع، وتَمُدُّ منابر صحفية أخرى أقلامها بأبحرٍ من مداد لإشاعة الرذيلة في المجتمع؟ أليست كل مؤسسات المجتمع منابر للرأي؟ أليس خطباء المساجد أصحاب منابر أيضاً؟ لم لا يطلب كل أولئك الحصانة لأنفسهم كذلك ويضعوا أنفسهم خارج دائرة المساءلة؟

إنه لو تُرِك أي من هؤلاء – بلا استثناء – دون مساءلة، ومن غير أن يقال للمصيب منهم: أصبت، وللمخطئ: أخطأت، لفسدت الأرض وهلك المجتمع.. مجرد رأي لن يرضى عنه من وضع نفسه والآخرين في منزلتين متباعدتين: ” لا يُسأل عما يفعل .. وهم يُسألون”.

أضف تعليق