لانريد أن نستبق الأحداث ، لكن من المرجح أن تنجح جهود السادة النواب ومؤسسات المجتمع المدني ورجال الصحافة والإعلام في وقف التوجهات الجديدة بشأن رفع الدعم أو إعادة توجيهه ، أو على الأقل سيتم تأجيله ، وإن تغيّر شيء فسيكون طفيفاً وغير مؤثراً . وسيكون ذلك فقط .
في تقديري أن كل هذه الزوبعة التي تم إثارتها حول موضوع دعم السلع والخدمات إنما جاءت – على الأرجح – لتغلق الباب أمام أية مطالبات أخرى لتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين ، وسيصل الجميع في نهاية المطاف إلى نتيجة مفادها ( احمدوا ربكم ) أن الدعم استمر ، ولا تطلبوا شيئاً أكثر .
بمعنى آخر أنه في ظل الكلام عن وجود أزمة ومشكلة في هذا الدعم ؛ فإنه لا مجال ، ولا يوجد محل له من الإعراب ؛ أي حديث عن زيادة الرواتب وتحسين العلاوات وما شابهها من تعديلات معلّقة عليها آمال تسوية المداخيل . وتبعاً لذلك لن يكون هناك ( مزيّة ) لأي دعوة لزيادة علاوة الغلاء أو تعديل شروطها وتوسعة شرائح المستفيدين منها . وبالطبع على الجميع أن يهضم ( سالفة ) استمرار اقتطاع نسبة (1%) من راتبه الشهري كتأمين ضد التعطّل ، ويهضموا معها استمرار رسوم العمل الـ (10) دنانير فأوضاعهم ستغدوا جميلة وطيبة بعد أن يجري التراجع عن المساس بهذا الدعم للسلع والخدمات ، وأن يبقى كما هو دون تغيير . وذلك بالضبط مثلما حصل في طرفة الحاخام الذي جاءه رجل فقير ضاقت في وجهه السبل ، فهو يعيش في غرفة صغيرة مع زوجته وثمانية من الأولاد والبنات ، طَرَق أبواب الكثير من الجهات ، وعدد من المسؤولين على أمل أن تتحسن ظروفه ويجد منزلاً أكبر ولكن دون جدوى، فقرر الذهاب إلى الحاخام كملاذ أخير.
الحاخام أبدى استعداده لمساعدته وأن يجد له حلاً شريطة أن ينفذ كل توصياته دون جدال أو مساءلة ، فوافق هذا الفقير على ذلك مكرهاً ومتفائلاً، فقال له الحاخام إن أول شيء يجب أن يفعله هو الذهاب إلى السوق وشراء ( معزة ) ، فصاح مستنكراً ولكن أين أضعها ؟ فليس هناك إلا الغرفة إياها. فذكّره الحاخام بالاتفاق بينهما ، وطلب منه العودة بعد أسبوع ، فرضخ صاغراً.
بعد أسبوع عاد والغضب واليأس واضحين على وجهه ، وبدأ في الشكوى من أوضاعه التي ازدادت سوءا ، (فالمعزة ) صارت ترفس الأطفال ، وتدوس في بطونهم ، وتحرمهم من النوم بصوتها ، فضلاً عن أشيائها الأخرى . فأوصاه الحاخام بشراء ( معزة ) أخرى ! وطلب منه أن لا يسأل أو يتذمر مذكراً إياه في الوقت نفسه بالاتفاق بينهما.
في الأسبوع الثالث سأله الحاخام كيف الحال ؟ فقال له زفت وطين ، كنّا بـ (معزة ) وأصبحنا باثنتين ، ورائحة البيت أصبحت نتنة والنوم طار من عيون الجميع ، فطلب منه الحاخام شراء الثالثة. في الأسبوع الرابع عاد الرجل الفقير والشرر يتطاير من عينيه ، فلم يسأله الحاخام عن أحواله ، بل بادر بالقول إنه يتفهم معاناته ولذلك يريد أن يساعده وطلب منه بيع واحدة من ( المعيز ) الثلاث ، والعودة إليه بعد أسبوع ، فتنفس الرجل الصعداء.
في الأسبوع الخامس طلب منه بيع (المعزة) الثانية ، وفي الأسبوع السادس طلب منه بيع ( المعزة ) الثالثة ، ثم سأله كيف الأحوال الآن، فقال إنها نعمة كبيرة أصبحنا ننام قريري العين ، لا معيز ولا رفس ، ولا بول ولا بعر، الحمد لله الأوضاع أفضل كثيراً من السابق ، هذه هي الحياة و( إلا بلاش ) .