إن غزير الدموع تنهمر حينما نقرأ أن (26) معتقلاً في غوانتنامو- بينهم من أبنائنا – باتوا يطالبون باستصدار أحكام قضائية ليس لإطلاق سراحهم ؛ وإنما ليرفعوا عنهم التغذيــة الصـناعيـة ليتمكنوا من المــوت والراحــة من جحيم معانـــاتهم وهـــول ما يلاقونه في تلك الزنازين منذ سنوات ، بلا اتهامات ولا محاكمات !! وإن القلوب تتفطر حينما تقرأ شيئاً من مذكرات ابننا جمعة الدوسري في تلك الزنازين الظالمة وكيف تم تقييده ووقفت فوقه إحدى المحققات وأنزلت على جسده الطاهر دم حيضها في صورة لاتنم إلا عن مقدار الانحطاط والهمجية ولاتنبأ إلا عن مكنونات حقد وكراهية متأصلة يصعب خداع الناس بشأنها .
إنه لأمر محزن حقّاً هو الحال السيئة لإخواننا وأبنائنا القابعين في الزنازين الخرســاء في غوانتنامو في ظروف تأنف منها حتى الحيوانات ، في واحدة من أقوى الدلالات على سقوط قناع حقوق الإنســـان ومواثيقه – التي تتبجح الولايات المتحدة الأمريكية بها وتنادي بنشرها في دولنا – بلا محاكمات ولا أدلة على اتهامات ، الموت لديهم كالحياة ، والليل كما النهار ، والنور لايختلف عن الظلام ، عجزت حكوماتهم ودولهم عن الدفاع عنهم أو المطالبة بتقديم أدلّة على تورطهم ومن ثم محاكمتهم وفق ماتقتضيه الأنظمة والشرعية الدولية وقبلها منطق العدالة والإنسانية والحرية التي يتم التشدق بها.
وهكذا تبلّد الإحساس وغابت القدرة على الغضب ، وضاعت النخوة والشهامة ، وتغلّب التشبّث ببضعة حسابات سياسية على الاعتبارات الإسلامية والإنسانية . فكم من جاسوس أو معتدٍ أو سارق أو قاتل أجنبي في بعض دولنا تم العفو عنه بعد محاكمته أو قبلها نتيجة ضغوط وتدخلات وربما تهديدات، وكم من مجرم أجنبي لجأ إلى سفارة بلده فنال الحصانة من أي سوء، وكم من حملات إعلامية كبرى تثار ضد العرب والمسلمين لو أسييء إلى بعض الغربيين، بل لايمكن أن ننسى كيف أن الصهاينة يتبادلون السجناء العرب برفات مواطنيهم وجنودهم الذين قضوا نحبهم منذ سنوات!
غير أن الأكثر حزناً واستقطاباً للدموع أن يُترك أهالي المعتقلين في غوانتنامو وكذلك أهل عبدالرحيم المرباطي المعتقل في السعودية – الذي نأمل تدخلا أبوياً من خادم الحرمين الشريفين في هذا العيد المبارك لإطلاق سراحه – أن يُتركوا للحاجة والعوز في ظل فقدان أرباب أسرهم في تلك المعتقلات وتوقف مصدر رزقهم وإعالتهم . فقد يكون مفهوماً – رغم مأساويته- عجز محاولات الدولة إطلاق سراحهم ولكنه بالتأكيد ليس مقبولاً أن لا تتولى الدولة كفالة ورعاية أهاليهم والإنفاق عليهم ، فذلك من أقل الواجبات البديهية التي لاتحتاج إلى طلب وتذكير .
وطبعاً ، هي جهود مشكورة تلك التي تقوم بها اللجنة الأهلية لمساعدة معتقلي غوانتنامو برئاسة الأخ النائب محمد خالد ولكنها ليست بديلاً عن الواجب الأدبي والرسمي للدولة إزاء هذه المحنة الإنسانية التي يتعرض لها ظلماً وجوراً بعض أبنائها .. حري بنا ونحن نحتفل بالعيد السعيد أن نتذكر معتقلينا ؛ إن لم نكن قادرين على فكَ أسـرهم وتحريــرهم من أغلالهم ؛ فلا أقل من أن نواسي أهاليهم ونفرح أطفالهم ونقوم مقام آبائهم ، فهولاشك جهد المقلَ . اللهم عجَل فرجهم وأقر عيوننا بعودتهم إلى أهاليهم وأبنائهم .