راصد

لجـان الغُـرم

عند حدوث طفرة اقتصادية وحصول وفورات وفوائض من الموارد المالية ؛ غالباً لا يكون للمواطنين منها شيء أو في أفضل الأحوال يُقال لهم ستكون عوائدها ونواتجها غير مرئية وغير مسموعة لكن في المقابل حينما تحصل أزمة اقتصادية فإن أكثر من يشعر بها هم المواطنون الذين يكونون على موعد مع دعوات ترشيد الإنفاق أو الاستهلاك أو ما يُعرف بـ( شدّ الحزام )  بالرغم من أن هذا الحزام مشدود من الأصل ، قبل الأزمة ، وسيبقى مشدوداً أثناءها ، وسيُنسى مشدوداً بعدها.

مع بداية هذا العام بدأت تتشكل في عدد من الوزارات والمؤسسات لجان أطلق عليها لجان لضغط وضبط المصروفات تتولى مهام ترشيد النفقات ووضع سياسات وإجراءات لتخفيض تلك النفقات تماشياً مع متطلبات التعامل مع الأزمة المالية التي يمرّ بها العالم .

غير أنه مع تشكيل هذه اللجنة في أية جهة فإن الخوف وربما الهلع يكاد ينتاب منتسبيها وموظفيها نتيجة خبرة متراكمة سابقة  مفادها أن الأمر سيتعلق بهم أكثر من غيرهم ، وسيكون مدار البحث والكلام عن الترشيد في ساعات عملهم الإضافي وفي مكافآتهم وعلاواتهم وترقياتهم وحوافزهم ودوراتهم وتدريبهم وما إلى ذلك من مكتسبات أو أمور  استقرت عليها مداخيلهم وترتبت عليها حياتهم ، بل وسيتم وأد أية أحلام وأمنيات كانوا يترقبونها وينتظرونها لتعديل سويّة معيشتهم وتجاوز ما فيها من مطبّات تطوّرت وتطاولت خلال السنوات الماضية حتى صارت رواتبهم أشبه ما تكون بالمحنة الشهرية ، لا يعرفون كيفية تصريفها مابين أقساط وإيجار وديون ونفقات متزايدة لايصلح معها أن تأتي الآن هذه اللجان لتقتطف شيئاً منها أو من حواليها أو توقف آمال الزيادة والترقية والحوافز .

من أراد ترشيد الإنفاق فإن هنالك أوجه كثيرة يعرفها الناس ويرونها ويسمعون عنها ويتحسرون على البذخ والإسراف الحاصل فيها ، ويسيل لأجلها ” لُعاب ” محدودي الدخل والآن حتى متوسطي الدخل ويتمنون لو صُرفت نفقاتها لحلحلة كثرة من مشكلاتهم الاجتماعية والإسكانية . لو تم إيقاف هذه الأوجه أو تخفيضها أو تقليل حتى بهرجتها وزينتها لتحققت وفورات لانحتاج معها إلى المساس بمداخيل الموظفين وأرزاقهم من خلال تشكيل لجان لضغط وضبط المصروفات يمكننا أن نسميها بـ ( لجان الغُرم ) باعتبار أن الغُرم في لغة العرب يأتي بمعنى (الدَّين) ، ومنه قوله تعالى :” والغارمين وفي سبيل الله ” ومنه في الحديث :” أعوذ بك من المأثم والمغرم”  ويُقصد به عموماً الضرر.

ويُستعمل (الغُنم ) مقابل (الغُرم) ولذلك نشأت قاعدة في الفقه  تقول ” الغُنْم بالغُرم”  ومعناه ” إن من ينال نفع شيء يتحمّل ضرره ” على أن واقع الحال قد أهمل هذه القاعدة وحدث فصل كبير بين طرفيها بحيث اعتاد المواطن على معيشة ولجان (الغُرم) وغابت عنه فرص ولجان الفوز (بالغُنم ) وصارت الديون والقروض تلاحقه وتستقطع الرسوم والإيجارات والأقساط أجزاء غالبة ومكدّرة من راتبه الشهري بمنتهى السهولة والبساطة دون أن يقابلها ( غُنم ) من أي نوع يأتي بمثل سهولة ما يغرمه !

أضف تعليق