إن الذي يرجع البصر في بلاد المسلمين وهي تستقبل شهر رمضان في هذه الأيام، يجد فرقاً شاسعاً بين ما نفعله في زماننا من مظاهر استقبال شهر رمضان، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عنهم الذين كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر حتى يبلغهم رمضان، فإذا بلغوه اجتهدوا في العبادة فيه، ودعوا الله سبحانه ستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم. إن القلب ليملي على البنان عبارات اللوعة والأسى،إذ يستعد الآن معظم الناس لرمضان قبل مجيئه بحشد الخيام وتزيين الديوانيات وملئها بكل ما يساعد على الترفيه والسهر ، وتنفق الفضائيات العربية مئات الآلاف من الدنانير في أفلام ومسلسلات وفوازير ومسابقات تليق – على حد تعبيراتهم- بأيام وليالي رمضان؛ لأن ( رمضان كريم) كما يعلنون ، ولسان حالهم يقول : شهر رمضان الذي أنزلت فيه الفوازير والمسلسلات!! وقبل دخول شهر رمضان بأيام ؛ إذا ذهبت إلى الأسواق والمجمعات ستجد الناس يجمعون أصنافاً وألواناً من الطعام والشراب بكميات كبيرة وكأنهم مقبلون على حرب أو مجاعة، وليس على شهر التقوى والصــيام! وما أن يدخل الشـــهر الكريم وتتوالى أيامه ، حتى يتحول كثير من الناس ، إلى (خفافيش) فيجلسون طيلة الليل أمام الشاشات، أو يجوبون الأسواق والمجمعات أو (يرضعون) من الشيش والمعسل في المقاهي أو يتسمرون في الخيام الرمضانية .. ثم ينامون قبل الفجر وفي النهار تجدهم نيام كالجيف ، لاحس ولاحركة ، وإذا استيقظوا ينتابهم كسل وخمول وبلادة ذهن، وإذا سألتهم قالوا: إننا صائمون!
ياله من ضيف عزيز كريم ضاعت مكانته بين قوم من الساهين الغافلين! ماعرفوا قدره ولم يستغلوا فضله . إن إدراك رمضان من أجل النعم، فكم غيب الموت من صاحب، ووارى من عزيز حميم ، وكم اكتظت الأسِرة بالمرضى الذين تتفطر قلوبهم وأكبادهم، ويبكون دماً لا دموعاً حتى يصوموا يوماً واحداً من أيام رمضان، أو يقوموا ليلة واحدة من لياليه، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون! يروى أن الحسن بن صالح – وهو من الزهاد الورعين – كانت له جارية – فاشتراها منه بعضهم، فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد قامت تصيح في الدار: يا قوم الصلاة .. الصلاة ، فقاموا فزعين، وسألوها: هل طلع الفجر؟! فقالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟! فلما أصبحت رجَعَت إلى الحسن بن صالح؛ وقالت له: لقد بعتني إلى قوم سوء لا يصلون إلا الفريضة، ولا يصومون إلا الفريضة فردَّني ، فردَّها!
من المسلمين اليوم من ضيع الفروض في رمضان بله التراويح والقيام! ومنهم من لايرون في رمضان سوى محطة أخرى من محطات الأنس والترفيه في حياتهم التي لايكتشفون إلا متأخرين مقدار الضياع والهدر التي انقضى منها . إذا فقد أحدنا مالاً أقام الدنيا وأقعدها ، وإذا فقد عزيزاً عليه انقلبت حياته لأيام عديدة كدراً وضيقاً ؛ فكيف الحال به إذا فقد جزءاً من عمره لا يستطيع تعويضه ولا عزاء له إلا إن كان قدم عملاً صالحاً ينفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون . اللهم بلغنا رمضان أعواماً عديدة، وأزمنة مديدة، واجعلنا فيه من عتقائك من النار.