راصد

منابر الجمعة .. بين الحياة والجمود

لا تملك أية وسيلة إعلام ما يملكه خطيب الجمعة ، فلو رصدنا أعداد المترددين على المساجد يوم الجمعة وعدد المنابر والإنصات التام والتسليم المطلق لصوت المنبر أدركنا قوة السلاح الذي بأيدي هؤلاء الخطباء ، ولو أحْسنّا استخدامه على الوجه الذي شُرِع من أجله لتغيّر من الحال الكثير .

غير أن بعض خطبائنا الكرام الذين نجلّ لهم العلم والفضل لازالوا غير مدركين أهمية صعودهم على منابر الجمعة ومقدار ما يمكن أن يحققوه من جراء إلقاء خطبهم وجهاً لوجه مع الأفواج المتدفقة لأداء صلوات الجمعة ، لقد أصبحت – للأسف الشديد – بعض خطب الجمعة قوالب جامدة ، وموضوعات مكررة ، فاقدة للنبض والحيوية ، لاتخرج عن بضع نصائح في فضائل الأخلاق أو مسائل في فقه الصلاة والطهارة والصوم ، إذا دخل شهر رجب انصبت خطبهم عن مكانته في حياة المسلمين وإذا حلّ شعبان رحبوا فيه برمضان ثم إذا استهلّوا الشهر الكريم توالت خطبهم عن أحكام الصيام والقيام ، بعد ذلك تتوالى أشهر الحج فلاتكاد تخرج خطبهم عن حدود مناسكه وأحكامه ، وهكذا عاماً بعد عام بحيث لانبالغ إذا قلنا أن بعض خطبائنا قد اصفرّت أوراق خطبهم من قدمها وكثرة تكرارها ، وفقدت قيمتها في دنيا الناس واهتماماتهم .

لانقلّل من شأن تلك الفضائل والأحكام – حاشى لله- إلا أن مكان الوعظ بها وإلقائها ليس من على منابر الجمعة على هذا النحو الروتيني البائس . وإنما يمكن أن يكون محلها في المناهج الدراســية أو المعاهد العلمية أو دروس المساجد وحلق الوعظ والإرشاد وماشابهها.

 وتبعاً لذلك فإن الناس قد زهدوا الاستماع إلى خطب الجمعة وصارت الصلاة بالنسبة لهم تحصيل حاصل ، وقلّ حرصهم على حضورها مبكرين ، وغالباً مايأتون في أواخر الخطبة ، كأنما جاؤوا لتسجيل حضورهم وتأدية الصلاة الواجبة فقط . وفقد منبر الجمعة جمهوره الذين من المفترض أن يكونوا توّاقين لمؤتمرهم الأسبوعي ، يستقطب اهتماماتهم ، ويصحح لهم مساراتهم ، ويرشدهم فيما استجد من أمور مجتمعاتهم ، ينتظرون منه الرأي والمشورة في شؤون حياتهم ، ويتطلعون إلى الرأي الصائب في مشاكلهم وشجونهم .

لانخفي سرّاً إذا قلنا أن هنالك بوناً شاسعاً بين موضوعات خطب الجمعة عند إخواننا الشيعة وبين خطب الجمعة عند أهل السنّة والجماعة ، فتلك الخطب تتناول مسائل من مثل الإسكان والبطالة وقانون الجمعيات السياسية وقانون التجمعات وخليج توبلي والاتنخابات و… إلخ من القضايا والهموم المجتمعية التي لانسمع لها أي ذكر أو ما يماثلها من على منابرنا ، كأنما خطبائنا غائبين أو مغيبين عنها !! ومن هنا قد نتفهم الحراك الذي أحدثته موضوعات خطب الشيخ ناصر الفضالة في الآونة الأخيرة واستقطابها على اهتمامات المصلين بعدما فقدت كثرة من خطب الجمعة – أو كادت – نضارتها وأهميتها .

في الحقيقة المطلوب من خطيب الجمعة أن يُعالج شؤون مجتمعه الذي يخطب فيه ، ويحيى فيه , فهذا هو أهم هدف من منبر الجمعة. أما الخطيب المنعزل عن مجتمعه فإنه يرتكب جُرماً كبيراً إذا عَزَلَ هذا المنبر أيضاً عن شؤون المجتمع وشجـونه ، وصــارت الخطابــة بالنسبة له مهنة يؤديها كما يؤدي أي عمل يتكسّب منه .. فلا تستوي النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة !! 

أضف تعليق