مع كل عملية إرهابية يتم تنفيذها هنا أو هنالك مستهدفة حياة الأبرياء، ومصالح الناس والدول ، وكلما نجحوا في تنفيذ عمليـــة إرهابية جديدة مهما كان حجمها أو تأثيرها ، أو ردود فعلها ، ومهما كان مكانها أو زمانها ، فإن الإسلام كدين بكل تعاليمه السمحة، ومبادئه التي تنادي بالسلام والرحمة والحب والخير، هو مع شديد الأسف من يكون أول المتهمين ، ويكون المسلمون هم أقرب من تلصق بهم المسؤولية بما يحدث، هم لا غيرهم المسؤولون عن دمار العالم، وترويع الناس، حدث ذلك بعد أحداث 11 سبتمبر في أمريكا وحدث بعد تفجيرات أسبانيا ولندن و شرم الشيخ و… إلخ .
غير أن الغريب هو الاتهام المبدئي لتنظيم القاعدة الذي عادة ما يوجه في الساعات الأولى التي تعقب أية تفجيرات أو أحداث إرهابية ، لكن الأغرب أيضاً هو تبني تنظيم القاعدة لشتى العمليات والتفجيرات الإرهابية ، سواء وقعت في أمريكا أو أوروبا أو في السعودية أو مصر أو في العراق أو أندونيسيا أو حتى في المريخ أو على سطح القمر بالرغم من التضييق والملاحقات التي يتعرض لها من ينتمون إليها ، أو على الأصح يشك في انتمائهم إليها ، وبالرغم من الحصار والمطاردات التي يتعرض لها قادة التنظيم واختبائهم في مجاهيل جبال أفغانستان؛ في الحقيقة : سؤال يتبادر إلى ذهني كلما خرج علينا الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري يعلن تبني القاعدة لعملية هنا أو هناك ويهدد ويتوعد بالمزيد : هل بالفعل هذا من صنع القاعدة ؟! وهل يستطيعون بالفعل تنفيذ عمليات وتفجيرات بهذه الدقة والكوارثية رغم ظروف الملاحقة والحصار وانقطاعهم عن العالم ؟! هل هم فعلاً بهذه القوة والدهاء بحيث لم تفلح سائر طرق التضييق والتجفيف الأمنية في وقف عملياتهم ؟! هل من المعقول أن لهم يداً طولى بهذا الحجم بحيث تكون قوة ضاربة في الجو كما في البحر كما في الأرض ؟! هي أسئلة مشروعة كثيرة تتكرر في كل عام ، وخلال الذكرى السنوية لأحداث 11 سبتمبر .
أحد الزملاء شبّه ذلك بفيلم شاهده لعادل إمام ؛ تدور وقائع هذا الفيلم حول أحــد الأشخاص ( عادل إمام ) قد ضاقت به السبل من حيث الحاجة والعوز ، وبسبب بساطته وفقره صار شبه منبوذ حتى من حماته التي لاتكاد تطيق رؤية وجهه ، حينما يمشي في الحي الذي يسكنه يكون أمام أحد صنفين من الناس : إما صاد عنه وإما المديونية التي تلاحقه . ولايختلف عن ذلك حاله في العمل الذي ما أن يستلم راتبه حتى لايكاد يراه من فرط قلته وعدم كفايته . حاول مرات ومـرات أن يقابل مسؤوله المباشر في العمل لترقيته ، لكن دون جدوى . حالته السيئة منعته من الزواج ، لأن توفير مصاريف الزواج والشقة والأثاث المطلوب لها في عداد المستحيلات . عادل إمام بعدما انسدت أمامه الطرق ودب اليأس إلى نفسه ؛ أخذ يضرب أخماساً في أسداس ، يقلب فكره وبصره ، ويتساءل : هل ستستمر حياته على هذا النمط من العوز والحاجة ؟ متى سيتزوج من خطيبته ؟ كيف يكسب ود الناس ؟ وهل سيستمر بعيدا عن دنيا الناس واحترامهم ؟ انفتقت عن ذهنه فكرة جهنمية ، قرر أن يسرق رواتب الموظفين في مؤسسته ، فهو المحاسب الذي يستلم في نهاية كل شهر الرواتب من البنك ليوزعها على الموظفين ، قرأ قوانين العقوبات فرأى أن أغلظ العقوبات في مثل حالة فكرته – لو نفذها- السجن لعدة سنوات ، قارن سنوات السجن على سرقته لهذا المبلغ فوجد أنه لن يحصل على حتى جزء منه لو قضى في العمل نفس عدد سنوات السجن . عادل إمام في نهاية الشهر استلم من البنك حقيبة بها رواتب الموظفين ، في ذات الوقت بالضبط كانت هنالك عصابة متخصصة للسرقة تراقب عادل إمام نفسه في كل شهر يستلم هذه الحقيبة المليئة بالأموال ، فخططت لسرقتها منه ، وفي ذات اليوم الذي خطط الاثنان – العصابة والمحاسب – للسرقة ؛ استبدلت العصابة الحقيبة من المحاسب بحقيبة تشابهها دون أن يدري ، فأخذها المسكين وأخفاها في إحدى المناطق المهجورة وودعها ثم ذهب إلى مقر عمله فأعلن على الملأ ، وبالصوت الرفيع أنه سرق رواتبهم ، بل طلب منهم تبليغ الشرطة والنيابة بسرعة ، حاولوا معه على عدة مستويات ، مسؤوله المباشر الذي كان يرفض مقابلته في السابق ، المدير العام وغيرهم من المسؤولين أحاطوا بهذا السارق الغريب : أرجع لنا أموالنا ووزع رواتبنا . وبسبب عناده و تنبنيه لهذه العملية تم اقتياده للنيابة العامة التي ما أن فتح محضر التحقيق حتى طلب منهم سرعة إنهاء إجراءات إحالته للمحكمة وقرأ عليهم العقوبة التي يستحقها مطالباً إياهم بعدم تضييع الوقت . بعد تنفيذ عقوبة السجن لعدة سنوات عاد إلى الحي الذي كان يسكنه ؛ فإذا الناس بالأحضان والزغاريد يستقبلونه ، بل حملوه على الأكتاف كالأبطال وأصحاب الملاحم ، حماته التي كانت لاتشتهي حتى اسمه ذبحت له زوجين بط ووضعت له اللحم والدجاج بعدما كانت تستكثر عليه حتى الماء ! أي أصبحت له رزة وهيبة ، ولم لا ؟ فهو الآن – أو كما يتوقعون- من الأغنياء وأصحاب الأموال ، حى وإن كانت هذه الأموال مسروقة أو منهوبة من رواتب موظفي تلك المؤسسة وحقوقهم .
عادل إمام ذهب إلى منطقته المهجورة ، حيث دفن حقيبته المسروقة ، وفي باله أن الدنيا ستفتح له أبوابها ، وأنه سيودع مشاكله ، وسيعيش حياته سعيداً محترماً ، بعيداً عن حياة الفقراء والمشردين وما إلى ذلك من الأحلام التي تبددت بمجرد أن فتح حقيبته ليجدها خالية من الأموال ، واكتشف أنه ليس إلا مجرد ضحية أضاع سني عمره في السجن نيابة عن الفاعل الحقيقي .