قبل بضعة أشهر كانت غزة ملء السمع والبصر ، لاتفارق أخبارها مختلف الفضائيات في العالم وتتصدّر صور الموت والدمار جميع وسائل الإعلام . وكان الناس يرون نزيف دماء أهلنا في غزة على الهواء مباشرة وترتكب في حقهم المجازر تلو المجازر ، ويغتالون يومياً من يغتالون من الأطفال والنساء والشباب والشيوخ ، وتُهدم المنازل وتُشرد العوائل تحت مرأى ومسمع من العالم أجمع ، وفي ظل صمت أو تواطؤ عربي ودولي مطبق تجاه الجثث والأشلاء الفلسطينية التي تتناثر بشكل يفوق في فظاعته وهوله الوصف والخيال لولا أنه كان مرصوداً وأحياناً يكون بث مباشر .
وقبل هذه الـبضعة أشهر كانت المسيرات والمظاهرات تعجّ بها الشوارع والميادين العامة في كل أرجاء الدنيا ، شرقها وغربها ، في بلاد المسلمين وغير المسلمين احتجاجاً واستنكاراً على الهجوم الصهيوني الغاشم على غزة وكانت الأصوات تزأر وتنادي بالانتقام من الصهاينة وعملائهم وموظفيهم . وكانت المساجد والجوامع لاتعرف غير غزة ، دعاء القنوت في كل صلاة بأن ينصر الله مجاهديها ويحمي أهلها .
وقبل هذه الـبضعة أشهر نظمت غالب – إن لم يكن جميع- دول العالم أيضاً حملات للتبرعات وأنشأت لجان لذلك ، وتم الإعلان عن مبالغ كبيرة تحصلت للجهات الرسمية والأهلية قيل حينذاك أنها ستذهب لإعادة إعمار غزة وإيواء مشرديها وإغاثة منكوبيها وكفالة أيتامها والثكالى من نسائها .
ثم انتهت حرب غزة وبدأ العالم ينساها شيئاً فشيئاً حتى نسي أو تناسى معها حكاية إعادة إعمار غزة والملايين التي جرى الإعلان عن جمعها وتخصيصها لما دمّرته الهمجية الصهيونية فيما لايزال الآلاف من أهلها يعيشون على أنقاض بيوتهم المدمرة أو في الخيام ، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ولم يعد أحد يهتم بضحاياها أو يطالب بمساعدتهم .
غزة الآن محاصرة ، كما كانت قبل الحرب عليها من قبل العدو الصهيوني الذي تعينه الآن الجهود العربية والدولية لإحكام قبضته وحصاره ، فلا مواد بناء تدخل ولا مساعدات غذائية يُسمح لها ولاشيء مما كان يُقال قبل هذه الـبضعة أشهر . بل وتكالبت دول ومؤسسات لزيادة حصار غزة من أربع جهات ، فلا أموال تدخل ، ولا مواد بناء ، ولا أسلحة ، ولاغذاء ، ولاحتى خرفان و دجاج .
أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ ومواطن فلسطيني في قطاع غزة محاصرين على هذا النحو ينتظرون دورهم في مجزرة الموت البطيء الذي هو الآخر أيضاً على مرأى ومسمع من جميع العالم الذي هبّ قبل بضعة أشهر لنصرتها ودعمها والتبرّع لها .. فمن يتذكّر غزة الآن ؟!