إنه سؤال نوجهه لعموم أصحاب الفكر الليبرالي والعلماني وعلى الأخص لبعض القوم منهم (ممن تعرفونهم من المفرطين في حساسيتهم مع الدين ) وممن لا يتركون شاردة ولا واردة تتعلق بحوادث عنف متفرقة هنا أو هنالك إلاّ ويسلّوا أقلامهم وتفيض أحبارهم عماّ يسمونه بضرورة تجفيف منابع الإرهاب وتصفية المناهج ومراقبة محاضن تربية النشء والتضييق على المنابر وما إلى ذلك مما يدّعون أنها مصادر تفريخ الإرهابيين.
بينما تخرس أو تكاد تلوذ بالصمت المريب أقلامهم وحناجرهم عن مصادر حقيقية أخرى لتفريخ الإرهابيين – إن صحّت تسميتهم – لعلّ أهمها المذابح والمجازر التي يقود بطولتها الكيان الصهيوني بمعية الغدر والتواطؤ العربي والدولي من مثل ما يحدث الآن في غزة وتنقل لنا الفضائيات مئات من صور ومشاهد القتل هناك بلا حساب ، لا فرق بين الصغار والكبار ولا بين الرجال النساء ، أكثر من (820) شهيداً حتى لحظة كتابة هذه السطور ، ما يقارب نصفهم أطفال انتزعتهم القذائف والصواريخ من أحضان والديهم ، بل إن الصور التي يتم بثها عنهم ونشرها لا تُدمع العيون فقط بل تحرق القلوب لما يظهر فيها من حجم المأساة ؛ مأساة اغتيال شعب ، مأساة دماء وأشلاء ، مأساة فتك وذبح ، مأساة حصار وتجويع ، مأساة تدمير وإبادة بلا هوادة لا ينفع معها أن يخرج علينا من ( يتفلسف ) وينظّر ويدعو للتسامح وللسلام ونبذ الكراهية وكأنما هذه الأرواح التي أزهقت والنساء اللواتي ثُكلن وترملن والأيتام والمنازل التي هُدّمت على رؤوس أصحابها والجثث التي انتشلت من الأنقاض لابد وأن تذهب هدراً ، هدراً ، لا قيمة لها ، ولا يصحّ الانتقام والثأر لها .
وكأنما يُراد لذاك الطفل الذي نشرت صورته العديد من الفضائيات والصحف ممسكأ برأس أمه يترجاها ألا تموت بينما الدماء تغمرهما أو ذاك الشاب الذي وُجد حياً بين أشلاء أمه وأبيه وتسعة من إخوانه أو تلك البنت وهي تُغمض عين أبيها بعدما أسلم الروح وتمسح الدم من على وجهه قبل أن تصرخ صرختها مودعة أبيها أو أولئك الأربعة أطفال الذين بقوا على قيد الحياة لمدة ثلاثة أيام بالقرب من جثامين أمهم وإخوانهم وسط أنقاض منزلهم ، ومثلها المئات وربما الآلاف من الصور الدامية التي هي في حقيقتها مصادر طبيعية و مشروعة ومنطقية وعقلانية لتفريخ – من يسمونهم – الإرهابيين ، شئنا أم أبينا .
بل في اعتقادي ، لو حُذف القرآن الكريم بأكمله من مناهجنا وإعلامنا وسائر أدبياتنا ومناشطنا وليست الآيات القرآنية المتعلقة باليهود و( شرواهم ) فقط أو الآيات القرآنية الخاصة بالجهاد فقط ، ولو مُنع تدريس التاريخ كلّه من تعليمنا وثقافتنا ، وليست الأحداث المتعلقة باليهود فقط ، ولو تم سنّ تشريعات وإبرام اتفاقيات حتى مع جزر الوقواق لمكافحة الإرهاب ، لو تم فعل كل ذلك وأكثر ؛ فإنه لن يكون لها أي أثر في منع الإرهاب والكراهية طالما أن سجل القتل والتدمير ومسلسل الفتك والذبح مستمر وبلاهوادة في بلاد العرب والمسلمين – كالذي يحدث الآن في غزة – يغذي الكراهية ضدهم وينزع إلى الانتقام منهم ومن والاهم وتواطؤ معهم ، فلكل فعل رد فعل ، ومن يزرع الموت لا يتوقع أن يحصد سواه . وحسبي الله ونعم الوكيل .