لا أملك – في الواقع – فطنة أهل المال والاقتصاد ولا حنكة رجال الأعمال والمستثمرين ولا حكمة التجّار ، أعرف ذلك تماماً ، لكنني – كغيري من الناس – ندرك أن عملية تسعير أية بضاعة أو خدمة تعتمد أساساً ، وفي المقام الأول على تكلفة إنتاجها مضافاً إليها هامش الربح الذي يريده التاجر أو المستثمر ، ويستطيع عن طريقه الاستمرار في تقديم هذه المنتجات أو الخدمات ، يستوي في ذلك الشركات والمصانع والمخابز والمطاعم وحتى البقالات . وبالتالي فإن أية زيادات تطرأ على هذه التكلفة الإجمالية لابد وأن يكون لها انعكاس وصدى في السعر، هكذا هو المنطق السائد الذي يجري العمل به .
ليس من المتصور أن يجري قصر الدعم الحكومي للسلع والخدمات على ذوي الدخل المحدود والدخل المتوسط ثم يجري رفعه عن المؤسسات والشركات والمصانع و… إلخ من مكوّنات السوق التجاري من دون أن يجري تعويض هذا الرفع في حساب تكلفة الإنتاج حيث أن أصحاب هذه المكوّنات من التجّار والمستثمرين لا يتوقع منهم ألا يزيدوا – تبعاً لذلك – أسعار بضاعتهم وخدماتهم ، وهم أيضاً لا يستطيعون تحمّل أية أعباء مادية إضافية في سوق يشكو من الركود والجمود وأجواء تضخم . وكلّنا يتذكر ماترتب على فرض رسوم العمل الـ (10) دنانير .
ومصدر القلق والخوف مما يُثار عن موضوع دعم السلع والخدمات ، ليس في إعادة توجيهه أو وصوله للطبقات المحددة ؛ إنما الخوف هو أن يكون هذا الموضوع – إن جرى تطبيقه – سيكون مطية أو وسيلة لكسر أو مزيد من قصم ظهور المواطنين في تكاليف معيشتهم ، لأنه في كل الأحوال ، و بحسب منطق الأشياء فإن تسعير السلع والخدمات إنما يرتكز – مثلما أسلفنا – على أساس تكلفتها بحيث يكون سعر البضاعة أو الخدمة مساوياً للتكلفة الإجمالية لها مضافا إليها هامش ربح معين . وأي مساس أو زيادة بتلك التكلفة فإنه لا مناص من تعويضها في السعر. وقد يزيد من نجاح فرص تطبيق هذا الاحتمال ( زيادة الأسعار ) انعدام أو ضعف الرقابة الفاعلة على الأسعار .
في الحقيقة لسان حال الكثيرين هذه الأيام مهما – بسّطنا الأمر وخفّفناه – هو التوجس والخوف مما ستؤول إليه الأسعار والرسوم خلال الأسابيع القليلة القادمة عند تطبيق ما يُقال ويُثار بشأن مسألة رفع أو إعادة توجيه الدعم الحكومي وما سيتبعها من انعكاسات يُخشى أن تصبّ كلها في محصلتها النهائية نحو زيادة معاناة المواطنين واستنزاف جيوبهم التي هي أصلاً مسكينة وخاوية ولا تحتمل المزيد من المفاجآت والأزمات .