رحم الله الشاعر أبو الطيب المتنبي حينما عبّر عن ذلّ الهوان وما يمكن تسميته في عصرنا الحاضر ضمن مفردات الخطاب السياسي العربي ب( الانبطاح ) إذ قال في بيته المشهور: ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح لميت إلام
وأحسب أن هذا البيت من الشعر يعبر عن حالة الإنسان في عالمنا العربي الذي أصبح بلا قيمة ، ولا تُحترم له حرمة ولا تُصان له كرامة ويحمل في طياته ما يعبر عن مدى الهوان الذي وصل إليه حال العرب ووزنهم ومقدارهم بين الأمم حتى أنهم باتوا يتراجعون بكل بساطة وسهولة عن مواقف مبدئية وفكرية اقتنعوا في السابق بها وصرحوا بها مراراً وتكراراً لكنهم بلا حياء ولا استحياء يعودون فينكرونها ويتأسفون عليها لا لشيء سوى تسجيل المزيد من ثقافة ( الانبطاح ) السائدة عند ( المنسدحين ) من أهل السياسة عندنا . قبل بضعة أيام أعلنت مصر عن ترشيحها للسيد فاروق حسني وزير الثقافة المصري لشغل منصب مدير منظمة اليونسكو الدولية غير أن الكيان الصهيوني مالبث أن أعلن معارضته لهذا الترشيح ورفع ( الفيتو) اليهودي ضده . وذلك بسبب تصريحات لوزير الثقافة المصري حطّ فيها من شأن الثقافة الصهيونية أمام مجلس الشعب المصري العام الماضي واتهمها بالعدوانية والعنصرية ، وقال لعضو في المجلس سأله عن إمكانية تسرب كتب عبرية إلى مكتبة الإسكندرية ” احضر هذه الكتب وفي حال وجودها سأحرقها أمام عينيك”. وأمام هذا الرفض الصهيوني لترشح الوزير المصري لمنصب مدير اليونسكو يتفاجأ العالم بتراجع الوزير فاروق حسني وأسفه واعتذاره لليهود عن أقواله في مقال نشرته له جريدة اللوموند الفرنسية في أواخر شهر مايو الماضي، جاء فيه : ” أشعر بالأسف لتلك الكلمات التي تفوهت بها، والتي كان يمكنني تبريرها بأعذار التوتر والمضايقات التي سادت النقاش وقتها، ولكني لن أتذرع بها خاصة أنها ضد كياني وما أؤمن به، الأمر الذي أتاح لمغتابي أن يلصقوا بي المساوئ؟ فليس أبغض عندي من العنصرية ورفض الآخر أو الرغبة في الإساءة لأي ثقافة إنسـانية بما فيها الثقافة اليهودية . لقد قيلت تلك الكلمات دون تعمد أو قصد، وإذ لا أتنكر لمسئوليتي عنها فإنني أقول بحرية ودون أدنى ضغط أن واجبي درء الشبهات برفضي لأي شكل من أشكال الازدراء أو الغطرسة. وذلك تقديراً لمن يكون قد جرحتهم أو صدمتهم تلك الكلمات ” لكن في المقابل ، وعلى الضفة الأخرى ، ضفة التصريحات الصهيونية المسيئة ، نجد كمّاً كبيراً من الإساءات التي صدرت على لسان مسؤولين صهاينة ، ليست ضد العرب والمسلمين فقط وإنما ضد مصر نفسها ، من دون أن نجد من يطالب بالاعتذار وردّ الاعتبار أو يهدّد باتخاذ مواقف ضد هؤلاء المسؤولين . فعلى سبيل المثال في نهاية شهر أكتوبر 2008 شن زعيم حزب “إسرائيل بيتنا ” أفيجدور ليبرمان الذي آلت إليه مقاليد وزارة الخارجية الإسرائيلية هجوما على مصر والرئيس المصري نفسه حسني مبارك، وأطلق تصريحات قال فيها: “إن مبارك لم يزر “إسرائيل”، وإن لم يزرها فليذهب إلى الجحيم”. ثم عاود واتهم مصر بالاستعداد لشن حرب ضد “إسرائيل” ولما اعتذر كل من الرئيس “الإسرائيلي” شيمون بيريز ورئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير الحرب إيهود باراك لمصر عن هذه البذاءات، فعاد ليبرمان ليشن هجوما على الجميع ووصفهم بأنهم “يتصرفون كتصرف امرأة تتعرض للعنف على يد رجل”. ووزير الخارجية الصهيوني نفسه أفيجدور ليبرمان سبق له في فبراير عام 2001 أن دعا حينما كان يرأس رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” ووزير الدولة بحكومة شارون إلى تدمير السد العالي وإغراق مصر! وبالتأكيد سيقوم الوزير الصهيوني بزيارة مصر وغيرها من البلدان العربية ومصافحة زعمائها ومسؤوليها دونما أي حرج طالما أن السائد عند الساسة والقادة العرب هو قول الشاعر : إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتخطئون فنأتيكم ونعتذر بهذه المناسبة ؛ لابد من تذكير وزير الثقافة المصري فاروق حسني بضرورة التفكير في أن يعتذر أيضاً للمسلمين من تصريحات سابقة له انتقد الحجاب الإسلامي ووصفه بالتخلف ودعا إلى التخلي عنه . فذلك أولى بالاعتذار أمام رب العالمين وأما الضمائر المسلمة الحية .