راصد

مهلاً أيها الراكضون ..

فجأة ، بلا حادث ودونما سابق مرض أو ألم ؛ غادرنا إلى الرفيق الأعلى في الأسبوع الماضي ، في يومين متتاليين ؛ ثلاثة من أبناء البحرين الأحبة ، وتوقفت حياتهم بينما هم في زحمة العمل والعطاء وانتقلوا فجأة إلى بارئهم من وسط أحبابهم وزملائهم ، بلا موعد أو إنذار .  فقد قضى أولهم في الصباح الباكر ، في داخل سيارته وهو ذاهب – كالمعتاد – إلى مقر عمله ، فيما توفي الثاني في مكتبه بأحد البنوك ، وهو يزاول عمله أما الثالث فقد صعدت روحه إلى المولى عز وجل في مقر عمله بعد أن تغدى مع موظفيه وتفقد واطمأن على سير عملهم ، وكان ينتظر قدوم مولودته البكر من غير أن يعلم أن مشيئة الرحمن قد أرادت أن تجعل من ذاك اليوم فارقاً بينهما ، بين موته وحياة مولودته .. ولارادّ لقضائه.

يا الله .. هكذا هي نهاية الدنيا ، وحقيقة الحياة ، ومصيبة الموت التي لاتقدّم الشيوخ على الشباب ولا الشباب على الشيوخ ، ولا المرضى على الأصحاء أو الأصحاء على المرضى ، لا فرق بين الصغير أو الكبير . بل من جاءه أجله رحل ، وتركنا نحن أبناء هذه  الدنيا  نعيش فيها كالمخلّدين الذين لا يتوقعون فراقها ومغادرتها . نلهث وراء المال والجاه ونركض لأجل الكسب والثراء ، وقد لانعبأ بالحلال أو الحرام . لانكترث بمن حولنا ، أحسنّا لهم أو أسئنا . وقد نحصد الشّر ونكذب ونسيء ونتجنى وننافق ونسرق ونرتشي ونتخاصم ونأنس للحرام ونألف الغش والخداع و … إلخ . يمكننا أن نعمل كل شيء من أجل أنفسنا في هذه الدنيا دون أن نعبأ بساعة ارتقاء هذه النفس إلى بارئها ، وهي ساعة لانعلم أوانها لكنها إن حانت فقد انتهى معها كل شيء ، كل شيء ماعدا أعمال أخرى ربما يضعف أو يخبت الاهتمام بها أو لا يكون لها إلاّ المراكز المتأخرة من سلّم اهتماماتنا وطاحونة سعينا في هذه الحياة رغم يقيننا ومعرفتنا بأنها أفضل ما يمكننا حمله معنا من هذه الدنيا الفانية .

ولعلّ من أجمل ما أرجع لقراءته كلّما ألمّت بنا مثل هذه المواقف ؛ هو ما كتبه الشـيخ الأديب على الطنطاوي رحمـه الله في إحــدى روائعه بعنوان ” كلنا نموت ” : يقول فيها : ” هل رأى أحد منكم يوماً جنازة ؟ هل تعرفون رجلاً كان إذا مشى رجّ الأرض ، وإن تكلم ملأ الأسماع ، و إن غَضِب راع القلوب، جاءت عليه لحظة فإذا هو جسد بلاروح، وإذا هو لايدفع عن نفسه ذبابة ، ولا يمتنع من جرو كلب ؟!! هل قرأتم في كتب التاريخ عن جبار كانت ترتجف من خوفه قلوب الأبطال، ويرتاع من هيبته فحول الرجال، لا يجسر أحد على رفع النظر إليه، أو تأمل بياض عينيه، قوله إن قال شرع، وأمره إن أمر قضاء، صار جسده تراباً تطؤه الأقدام؟! هل مررتم على هذه الأماكن، التي فيها النباتات الصغيرة، تقوم عليها شواهد من الحجر، تلك التي يُقال لها المقابر ؟!! فلماذا لا تصدقون بعد هذا كله، أنّ في الدنيا موتاً ؟! لماذا تقرؤون المواعظ، وتسمعون النذر فتظنون أنها لغيركم؟ وترون الجنائز وتمشون فيها فتتحدثون حديث الدنيا، وتفتحون سير الآمال والأماني .. كأنكم لن تموتوا كما مات هؤلاء الذين تمشـون في جنائزهم ، وكأن هؤلاء الأموات ما كانوا يوماً أحياء مثلكم، في قلوبهم آمال أكبر من آمالكم، ومطامع أبعد من مطامعكم ؟ ولقد وطئ ظهر الأرض من هم أشد بطشاً، وأقوى قوة، وأعظم سلطاناً؟ فماهي … حتى واراهم بطنها فنسي الناس أسماءهم !. يغترّ بغناه الغني، وبقوته القوي، وبشبابه الشاب، وبصحته الصحيح، يظن أن ذلك يبقى له… و هيهات..! “

نسأل المولى سبحانه وتعالى أن يتغمد الموتى الثلاثة برحمته ويلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان وأن يُحسن ربنا خواتيمنا في هذه الدنيا وألاّ يقبض أرواحنا إلاّ في مظان طاعته ومرضاته .

أضف تعليق