راصد

” نورة ” و” فاطمة” و”إبراهيم “

لا يملك المرء إلا أن يبكي من شدة التأثر، حينما يسمع أن الطفلة ” نورة ” كلما سمعت رنين الهاتف تجري مسرعة وتقول: ” لعله بابا، بابا، ردوا على التلفون.. بابا على التلفون”  حتى صار رنين الهاتف أملاً  تسمع رنينه في قلبها قبل أذنيها وتمنّي به نفسها لسماع صوت أبيها . ” نورة ” أمضت خمس سنوات من طفولتها البريئة ليست كما أمضتها سائر الأطفال في سنّها ،  الدموع لا تفارق وجهها كلما رأت أب يقبّل ابنته عند توصيلها في الصباح الباكر إلى  مدرستها بينما لاتجد هي من يمسك يدها ويودعها في مدرستها . و” نورة ” تنكسر نفسها ويظهر الأسى على وجنات وجهها كلما لامس أب شعر أترابها .

أما ” فاطمة ” فقد غابت الشمس عن دنياها منذ خمس سنوات وحلّ محلّها ليل لايكاد سواده ينقشع من أمامها ، فوالدها بالنسبة لها طيف تهفو نفسها إليه مع إشراقة كل يوم جديد حتى إذا لم تجده عادت ظلمة الليل تملأ نفسها حسرة وكمداً على تلك الأيام الجميلة التي قضتها في أحضان أبيها وشربت من كأس حنانه . ” فاطمة” التي تعيش ليلها الداكن بعدما أُزيلت كلمة ” أبي ” من قاموسها لخمس سنوات لطالما نظرت إلى أترابها الذين يتلذذون  في كنف أبائهم وفي رحاب معيّتهم فتسأل : أين أبي ؟؟ وتصرخ فتسمع صرخاتها الجدران والحيطان : هل أبي بين الأحياء أم الأموات ؟

و” إبراهيم ” الذي لا يزال ينتظر عودة أبيه مع كل طرقة باب في منزلهم فيكون أسرع إخوانه لفتح الباب لعلّه ” يكحّل “عينيه برؤية والده أو  ” يشنّف ” أذنيه بسماع خبر – أي خبر- يؤنسه عن والده الذي لا يفارق محيّاه ذهنه ولاتغادر صورته شغاف قلبه .

خمس سنوات ؛ مضت على ” نورة ” و” فاطمة” و”إبراهيم ” كانوا فيها ليسوا كأقرانهم من الأطفال ، أعيادهم أحزان ، وأفراحهم أتراح ، أيامهم طويلة ولياليهم موحشة . خمس سنوات ؛ ليتصورها أحدنا بعيداً عن فلذات أكباده ، من مثل ” نورة ” و” فاطمة” و”إبراهيم ” لايرى وجوههم ولايسمع أصواتهم ، ولايدري عن أحوالهم ، ولايعرف من يعيلهم ويصرف عليهم ، ولايطمئن : هل يأكلون ويشربون ويلبسون كما باقي الناس أم لا ؟ ولايرقب نموّ سنّهم ، ولايوصلهم لمدارسهم ، ولايسأل عن واجباتهم ، ولايكونوا في معيته إلى مساجدهم  ومجالسهم ، ولايزور معهم أقربائهم ، ولايلعب معهم ، ولاتملأ ضحكاته أو حتى صرخاته جنبات غرفهم ، ولاتمتد يده لمعاقبتهم على كسلهم أو تقصيرهم ، ولاتلامس شفتيه خدودهم لتقبيلهم  واحتضانهم . خمس سنوات ، ” نورة ” و” فاطمة” و”إبراهيم ” وإخوانهم لايعلم بحالهم إلا المولى عزّ وجل ، فلا تسأل عن حزنهم ، ولاتسأل عن حاجتهم ، ولاتسأل عن كيفية تدبير شؤون حياتهم ، ولاتسأل عن حجم معاناتهم وتعاظم مأساتهم .

ولكن هل تعرفون من هم ” نورة ” و” فاطمة” و”إبراهيم ”  ؟ نورة هي بنت جمعة الدوسري وفاطمة وإبراهيم هما أبناء عيسى المرباطي  ، وهما أبني البحرين مع ثالثهما صلاح البلوشي القابعين فيما وراء البحار في سجون غوانتناموا بلا اتهامات ولامحاكمات في ظروف تأنف منها حتى الحيوانات ، الموت عندهم كالحياة ، والليل كما النهار ، والنور لايختلف هناك عن الظلام .

فاللهم عجَل فرجهم وأقر عيوننا بعودتهم إلى أهاليهم وأبنائهم . وأفرح البلاد والعباد بأن يكونوا بين ” نورة ” و” فاطمة” و”إبراهيم ” وإخوانهم في عيد الفطر السعيد.

أضف تعليق