راصد

هاويل رينز ودروس في احترافية الصحف ونزاهته

في شهر مايو من العام 2003م قدّم اثنان من كبار المحرّرين في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية استقالتهما بعد خمسة أسابيع من كشف فضيحة للصحفي جيسون بلير ، وهو أحد محرريها الصاعدين تتعلق باكتشاف نحو ستة وثلاثين تقريراً وتحقيقاً قام جيسون بلير بكتابتها اعتماداً على الفبركة والتزييف والتلفيق . الأمر الذي أصاب مصداقية هذه الصحيفة الواسعة الانتشار في العالم بهزة عنيفة أدّت إلى أن يقدّم رئيس تحريرها هاويل رينز ومدير تحريرها جيرالد بويد استقالتهما من الصحيفة بعد عمل في الصحيفة دام أكثر من عشرين عاماً.

وأعلن حينها مالك الصحيفة وناشرها آرثر سلزبرجر في مبنى الصحيفة الشهير بنيويورك احترامه الشديد لزميليه المستقيلين وقال بأنهما قدّما الصالح العام على صالحهما الشخصي انطلاقاً من مبدأ انتمائهما للصحيفة العريقة. وبيّن مالك الصحيفة أن القرار يأتي في صالح مصداقية الصحيفة ومكانتها عند جمهورها وهو ما دفعه لقبول استقالتهما رغم علمه بأنهما اثنان من رموز المؤسسة. وقالت الصحيفة معلّقة على هذه الفضيحة إن ” الضرر الذي سببه للصحيفة والعاملين فيها لن يمحى كليا الأسبوع المقبل أو الشهر المقبل أو حتى الأعوام المقبلة ، وذلك لأنه عمل خطير يؤدي إلى فقدان الثقة في احترافية الجريدة ونزاهتها، ويؤثر بالتالي على مقروئيتها وتتبعها ” .

اللافت هنا أيضاً أن مالك الصحيفة نفسه لشدّة حرصه هو الذي باشر عملية التحقيـق مع جيســون بلير وأشرف عليها وارتضى أن يضحى برئيس تحريـر صحيفـة ( نيويورك تايمز) ومدير تحريرها فقبل الاستقالة المقدمة منهما . أمّا لماذا قدّم رئيس ومدير التحرير استقالتهما رغم أن التحقيق لم يظهر تورطهما شخصياً في التلفيق والتزييف في الستة والثلاثين موضوعاً لجيسون بلير فهو أمر يختص بالعالم الغربي لازلنا بعيدين عن تفهم مراميه ودوافعه فضلاً عن تبني وضعه ضمن تقاليدنا.

    ولا أدري حقيقة لماذا قفزت إلى ذهني هذه الحادثة في هذه الأيام ؟! وقرّرت البحث عنها مجدداً ونقل أجزاء منها حتى حصلت على بعض تفصيلاتها من عدة تقارير منها تقرير اخباري نشرته مجلة العصر في شهر مايو 2003تحت عنوان ” فضيحة  تهز أركان (نيويورك تايمز) : صحفي يختلق ويلفق ويزور التحقيقات ”  وبالتالي أكتبها للقرّاء لعلّ الجميع – بمن فيهم ملاّك الصحف ورؤساء تحريرها ومديروها وصحفيوها – يستفيدون منها في أهمية الحرص على المصداقية والأمانة خاصة فيما يتعلق بنقل معلومات منسوبة لمصادر لا توجد إلا في الخيال كصاحبنا جيسون بلير ؛ فهذه نيويورك تايمز ضحّت برموزها ومسؤوليها وقدّمت من نفسها مثالاً للنزاهة والمهنية بالرغم من أنها لم تكن تعاني من ضائقة مالية أو سوء تسويق أو … إلخ .

أضف تعليق