راصد

هل المشكلة في المُغرِّر أم في المُغرَّر بهم ؟!

إذا صحّت الأنباء بأن تقريراً طبياً سيصدر من مستشفى الطب النفسي وسيتم إيداعه خلال الأيام القليلة القادمة في النيابة العامة يثبت أن المتهم بإدارة شركة للاستثمار الوهمي والاستيلاء على (21) مليون دينار إنما هو شخص متخلف عقلياً وهو غير مسؤول عن تصرفاته وأقواله . إن صحّت هذه الأنباء فإن الأمر  في حد ذاته كارثة أخرى ، مضحكة ومبكية في ذات الوقت .

إذ كيف لمتخلّف عقليا أن ينصب على مجموعة كبيرة من الناس غالبهم من ذوي الدخل المحدود الذين يشتكون من قلة المال وضعف الحال وقصر ذات اليد ، ثم يلعب بعقولهم وأفهامهم بحيث يعطونه كل ما يملكون ، بعضهم باع ذهب ومجوهرات زوجته وبناته ، وبعضهم سلّمه تحويشة عمره ومدخرات أولاده وإخوانه ، وبعضهم رهن بيته أو اقترض واستدان ، بعضهم باع سيّارته وأثاث بيته ! ويجمع من كل هؤلاء (21) مليون دينار ، عدّاً ونقداً !!

متخلّف عقلياُ يركب سيارات فارهة ويقوم بسفرات ورحلات في أقاصي البلدان وأدناها، شرقها وغربها ، يدخل ويخرج على الرحب والسعة من مختلف المنافذ الجوية والبرية . ويجمع من الناس مالاتستطيع البنوك والمؤسسات المصرفية جمعه وتحصيله على مدار عام وربما أعوام !

متخلف عقلياً يلبس لباس رجال الأعمال ، يتصدّر المجالس ويُستقبل في المآتم ويُقدّم في ( المواجب ) ويحرص جمع من الناس على الترحيب به والبدء بتحيته ، ويصنع حوله وجاهة غير طبيعية ، يده مفتوحة ومبسوطة للفقراء والمحتاجين حتى صار من رجال البرّ والإحسان !

هذا المتخلّف العقلي أدار كل هذا النشاط ، وهذه المبالغ المليونية من دون أي ترخيص ، ووزع أرباحاً خيالية على بعض ضحاياه ، ومن دون أن تكتشفه الدولة بمختلف أجهزتها الرقابية والأمنية ، رغم أن نشاطه لم يكن سرّياً ، بل تتناقله الألسن والأخبار ، واكتسب ثقة زبائن في قريته وغير قريته ، مالهم حدود ، ويُقال أن الصدفة وحدها هي التي قادت لاكتشاف أمره والعلم بأنه محتال ونصّاب سرق أموال ومدخرات الفقراء والبؤساء ، وتركهم على ( الحديدة ) أو أقل ، يضربون أخماساً في أسداس عن كيفية استرجاع أموالهم قبل أن يتفاجأوا بأن ذاك الشخص المستثمر الذي أغراهم وفتح لهم آفاق الأرباح وبهرهم وأخذ منهم مدخراتهم ، قدّموه في مجالسهم وفتحوا له مآتمهم وبيوتهم ، ولاحقته نظراتهم بالإعجاب ، وربما لهجت ألسنة بعضهم له بالدعاء ؛ كان متخلف عقلي غير مسؤول عن تصرفاته وأقواله ! ويكون بالتالي لسان حالهم : ضاعت فلوسك يا صابر ..

لكن يبقى السؤال للضحايا : هل هم فعلاً بسطاء ومُغرّر بهم إلى هذا الحد ؟ يحرّضهم من يشاء ويدفعهم لأعمال العنف والتخريب ويضعهم متاريس للشغب والتحريق ، ويجعلهم في أتون المعتقلات ويضيّع مستقبل الناشئة والشباب ثم يكتشفون أن المحرّض يعيش في عالم آخر لايعلمونه ، لاعلاقة له بما يحرّضهم عليه أو أن أفكاره وتحريضاته تتحوّل (180) درجة ؟! ويجمع من عندهم شخص ملايين الدنانير ، من خالص أموالهم وأعزّها ، يسلّمونه إياها طواعية ، عن ثقة ورضا نفس ثم يكتشفون أنه كان متخلف عقلياً ؟! فهل المشكلة في المغرّر أم في المغرّر بهم ؟

أضف تعليق