هذه الأرقام التي يتم طرحها والإعلان عنها في صحافتنا بين حين وآخر عن تكاليف بعض المباني كالجسور ورصف الطرق وإنشاء النوافير وتزيين الدوارات وماشابهها من المشروعات في الوزارات والهيئات التي تقضي على معظم الميزانيات المخصصة ؛ هل هي صحيحة أو تقديرية أو فيها كثير من المبالغة ؟!
قبل بضعة أسابيع نشرت صحافتنا المحلية خبرا عن بدء تشغيل نافورة دوار باب البحرين في المنامة ، وجاء في ثنايا الخبر أن تكلفة مشروع تعديل وتجميل هذا الدوار (70) ألف دينار . من يشاهد الدوار لايكاد يصدق أن بضعة مواسير مياه لنافورة وبعض ( انتيكات ) وشجيرات ، وطبعاً طابـوق أحمر وأصفر ؛ يستأهل مبلغاً بهذا الحجم ! كما يتساءل المرء حول القيمة المضافة التي يحققها تجميل هذا الدوار وترميمه في منطقة سوق المنامة القديم الذي تعصف به مشكلات الركود ومواقف السيارات وضيق الطرقات وغيرها من الهموم التي تحتاج لأمثال هذه المبالغ لحلها وزحزحتها وإعادة زوَارها وروَادها إليها. وفي ضوء وجود مخطط لإعادة بناء هذا السوق وتطويره لايزال عالقاً .
قبل بضعة أسابيع أيضاً تم الإعلان عن نية تطوير مايسمى دوحة عراد وتحويلها إلى متنزه أو منتجع أو ماشابه من المعالم الجمالية التي تليق بجزيرة المحرق ، وجاء في الإعلان أن التكلفة المقررة للمشروع أربعة ملايين دينار ، وبغض النظر عن موقع هذا المشروع في أولويات احتياجات أهالي المحرق فإنه لو افترضنا أن تطوير دوحة عراد من ضمن تلك الأولويات؛ هل يحتاج تزيينها وتطويرها فعلاً إلى هذه الملايين من الدنانير؟!
وقبل بضعة أسابيع أيضاً يعلن أحدهم أن تكلفة تطوير شارع أرادوس بلغت مليونين دينار ، هذا الشارع من اتجاهين وفي كل اتجاه مسار واحد لاأكثر ، عن طريق هذا الشارع فقط مداخل ثلاث قرى هي قلالي وسماهيج والدير ويمكن البسيتين ( المدخل مازال غير مبلّط ) وعلى جنبات هذا الشارع بالضبط تقع مداخل لمرافق حيوية كثيرة لامانع من ذكرها وهي : ثلاث مدارس إحداهما للبنات والأخرى للأولاد والثالثة ثانوية صناعية ومركز صحي ومستشفى للولادة وناديين رياضيين وحديقة عامة ومركز لتدريب الشرطة ومعسكر تابع لقوة الدفاع ومعسكر آخر لقوات أجنبية ومحطة للبترول ومسجد ، عن طريق هذا الشارع تدخل أيضاً الشاحنات وغيرها من النقليات الثقيلة لأعمال البناء والعمران في المناطق الجديدة في قلالي وسماهيج وكذلك الجزيرة السياحية المسماة أمواج. في هذا الشارع تجاوز السيارات ممنوع وغالباً مايكون محفوف بالخطر لكثرة انحناءات الشارع ولفّاته . من يقرأ أنه تم تطويرهذا الشارع بمليونين دينار قد يتبادر إلى ذهنه أنه تم إنشاء جسور وأنفاق وإشارات ضوئية ومداخل ومخارج أمنة ومخففة للزحام و… إلخ ، غير أن التطوير المليوني حدث فقط لبضعة أمتار في الانحناء الأخير بين الدير والبسيتين حيث تم توسعة هذا الجزء البسيط ليصبح اتجاهين في كل اتجاه مسارين وإشارة ضوئية وطبعاً أرصفة بالطابوق الأحمر والأصفر ومدخل لبيوت الإسكان الجديدة بالبسيتين، وفقط بمليونين دينار !
وهكذا يقولون – والعهدة على الرواة – أن تكلفة بناء غرفة في مبنى أو مرفق حكومي تفوق تكلفة بناء ذات الغرفة في بيوتات الناس أضعافاً مضاعفة بالرغم من استخدام ذات المواد والمواصفات إن لم تكن أفضل !! وإلاَ فإن هذه المبالغ الضخمة – التي تسيل اللعاب – تحتاج إلى أن يرى الناس مايناسبها ويقابلها من الإنشاءات والإنجازات ، وقبل ذلك أن تُصرف حيث الاحتياجات والأولويات الحقيقية .