بعد المنتجعات والجزر والمدن التي يجري العمل فيها الآن على قدم وساق ، تُدفن لها البحار وتُبسط لها البراري وتُسوّى لها الشوارع وتٌمهّد لها الطرق وتركض إليها الخدمات والمرافق ، ومعها وأثناءها تتبدّد أحلام عشرات الآلاف من المواطنين الطامحين لبضعة أمتار من هذه الأراضي الواسعة التي تبنى عليها مثل هذه المدن والجزر ، وتجعل محدودي الدخل منهم – وهم أغلبية ساحقة- تندب حظها وهي ترى جموع المتداولين في ما تتمناه لها أو لأبنائها وأحفادها وأسرها من عقارات وأراضي تتبخر في ما جرى تبريره في الآونة الأخيرة بعمليات استثمارية صارت تغثّ النّاس بأخبارها التي لا تنبأ – في العادة – إلا ّ عن مزيد من الاستحواذ الباعث على مزيد من الإحباط المؤدي إلى حالات من الحيرة واليأس الشديد لدى المواطنين الذين تطوى سني أعمارهم ويقاربون الشـيخوخة وهم ينتـظرون رحمة المولى عز وجل بأن يحصلوا على سكن يضم على الأقل أبنـاءهم وأحفادهم بعدما مضى – أو كاد- قطار أعمـارهم ولم يحققوا أحلامهم . ويُقال لهم اصبروا وصابروا من أجل تسجيل مزيد من الأرباح العالية لشركات ومؤسسات وبنوك – ويمكن أشخاص – تبيع وتشتري في مدخرات الأجيال من السكن والأراضي دونما قيد أو ضابط يعطي الأفضلية للمواطن الذي لم يعد خافياً على أحد أن لا نصيب له من كل ذلك سوى (المشمش) !!
والآن يأتي دور المتنزهات ، فقبل بضعة أشهر تم افتتاح متنزه سمّي ب ” الجنة المفقودة ” في العرين ؛ سرعان ما فقده ونفض عموم البحرينيين يدهم من دخوله حيث تراوحت رسوم الدخول فيه للشخص الواحد مابين (10-12) ديناراً . وهو مبلغ لا يمكن التضحية به في هذا الوقت بالنسبة لعموم البحرينيين ، لمجرّد تكلفة لعب شخص واحد ، فكيف بالعائلات التي لديها أطفال وأبناء ؟!!
وقبل بضعة أسابيع ؛ تداولت الصحافة المحلية خبر تأجير غالب مساحة أحد المتنزهات البحرية التي ارتبط اسمها على مدار السنوات القليلة الماضية بالإهمال ، والإهمال الشديد ، وارتفعت المطالبات بتحسينه وإعادة العناية به باعتباره الساحل شبه الوحيد – في جزيرتنا البحرية – يقصده الناس لعلّهم يصدقون أننا نعيش في جزيرة تحيط بها المياه من كل جهة ويمكنهم أن يفرحوا بشواطئها ويكحّلوا أعينهم برؤية رمالها وملامستها ودغدغة مياهها الزرقاء لأجسادهم . وبينما الناس تنتظر إعادة الحياة إلى هذا المتنزه ” بلاج الجزاير ” يأتي من يخبرهم بأنه تم تأجير غالبه إلى إحدى المؤسسات لاستثماره.
ثم لم يكد يفق المجتمع من صدمته في ” بلاج الجزاير ” ؛ يأتي أيضاً – في مطلع هذا الأسبوع – من يُخبرهم في الصحافة عن إنشاء مشروع متنزه جديد في مدينة الحد بتكلفة إجمالية تُقدّر بنحو ربع مليار دينار بحريني على أرض تُقدّر مساحتها بنحو (156) ألف متر مربع ، وستقوم بإنشائه إحدى شركات الاستثمار العقاري وسيشتمل على فندق مكون من 75 طابقاً ، وثلاث عمارات سكنية ، وروعي تصميم الشقق على الطراز الحديث ، كما تضم العمارات مكاتب تجارية ، وسيتم إنشاء ملاهي ترفيهية، وقاعة للمؤتمرات، وصالة أفراح، ومواقف للسيارات، إلى جانب إنشاء (تليفريك) يصل المتنزه بجزيرة (جليعة) التي سينشأ عليها ألعاب ترفيهية ومائية (أكوابارك)، وسيغطى المتنزه بنسبة عالية من المساحات الخضراء. وسيُخصص ريعه الذي يُقدّر سنوياً ب(25) مليون دينار لبلدية المحرق . وبالطبع من المتوقع أن لا يكون لعموم البحرينيين في البلاج والمتنزه الجديدين سوى ذات ( المشمش ) الذي حصلوا عليه من المدن والمنتجعات والجزر الاستثمارية الأخرى …