الصدفة وحدها قادت إلى ضبط آسيوي يعيش في البحرين منذ ( 23) سنة من دون إقامة بعد هروبه من كفيله بعد عام واحد من دخوله البلاد . هذا الخبر نشرته جريدة أخبار الخليج يوم أمس الأول وذكرت في تفاصيله أن هذا العامل الآسيوي جاء إلى البحرين عام 1983م وبعد هروبه ظل يتنقل بين العديد من المهن إلى أن ذهبت الشرطة للقبض على أحد الآسيويين في المنامة للاشتباه بقيامه بجريمة سرقة ولسوء الحظ فإن هذا الآسيوي كان يقيم معه في نفس الغرفة ، فلما سألوه عن إقامته اكتشفوا أنه بلا إقامة منذ (23) سنة !!
وللقاريء الكريم أن يتصوّر مدة زمنية قدرها ( 23) سنة لم تستطع السلطات اكتشاف أمر هذا العامل الذي دخل البلاد وعمره (20) سنة وهاهو سيخرج منها بعدما تعدّى الأربعين سنة . وهذا الخروج ليس بسبب ( شطارة السلطات ) وإنما بفعل صدفة ، مجرّد صدفة .. والله العالم كم نحتاج من مثل هذه الصدف الجميلة لتنظيف بلادنا من هذه العمالة السائبة التي تمرح وتسرح طولاً وعرضاً بلا خوف من حسيب أو رقيب وتستمر لسنوات نخشى أن نقول أنها قد تقارب سنوات هرب صاحبنا الآسيوي (23) سنة – أقلّ أو أكثر- .
إن سنوات قدرها (23) سنة ، هي طويلة جداً يتخرّج خلالها جيل كامل منذ دخوله الصف الأول الابتدائي وانتهاء بالجامعة ، ولو تأخرت هذه الصدفة سنتين زيادة لأصبح من حق هذا الآسيوي المطالبة باكتسابه للجنسية البحرينية بحكم القانون الذي يحق فيه اكتسابها للأجنبي الذي أمضى في البلد (25) سنة . و إن سنوات قدرها (23) سنة ، هي طويلة جداً بحيث تعاقب على بلادنا فترات بين المدّ والجزر ومرّت بأزمات وانفراجات ، وتبدّلت خلالها سلطات ووزارات ، وصدرت قوانين وتعدّلت أو أفلت قوانين أخرى ، وجرت على قانون العمل في القطاع الأهلي تعديلات وتبديلات ، وحصلت أمور وأمور كثيرة في مجتمعنا ، وكلّها عاصرها هذا الآسيوي الهارب دون أن يُكتشف أمره في خضم كل هذه التغييرات والتطوّرات وتعجز جميع التشريعات والإجراءات على مدار هذه السنوات في الوصول إليه لتنجح الصدفة وحدها في ذلك ؛ هل هذا معقول ؟
حسب منطق الأشياء فإن أي حملة للسلطات المختصة في بلد مساحته الإجمالية لا تتعدّى (620) كم ، وأكثر من نصفها غير مأهولة بالسكان ؛ تستطيع هذه الحملة القضاء على هذه الظاهرة المستشرية في بضعة أيام إذا توفرت الجدية اللازمة دونما حاجة لأي صدف .
أحاول دائماً أن أصدق أن هروب هذا العامل وأمثاله من العمالة الأجنبية الهاربة التي تقدّر ب (40) ألف – إذا صحّت الأرقام – عملية غير منظمة ، إذ لا يوجد من يُسهّل لهم الهروب ، ولا يوجد من يأويهم ، ولا يوجد من يُوفر لهم أعمال بديلة ، ولا يوجد من يستغلهم ، ولا يوجد من يرشدهم ويوجههم . وتبعاً لذلك لا توجد حاجة جدية لملاحقتهم والقبض عليهم في أوكارهم ومآويهم وحفظ حقوق الكفلاء وأموالهم الذين باتت الإجراءات ترغمهم في نهاية المطاف أن يستقبلوا عمالهم وخدمهم الهاربين بعدما (يطيب خاطرهم) لعدّة سنوات في بلدنا ويسلمونهم تذكرة سفرهم ويتمنون لهم سفراً ميموناً غير آبهين بالقهر والحسرة التي يغتمّ بها الكفيل على ما صرفه أولاً لاستقدام هذا الخادم أو العامل وما غرمه عليه لضمان سفره بعد هروبه . هل هناك أغرب من ذلك ؟!