لاشك أنه أمر غريب ، وربما يدلّ على تخبّط أو سوء تخطيط هو ما يجري إثارته في هذه الأيام عن أن الشركات والمؤسسات الكبرى قد استحوذت على النسبة الغالبة من الدعم الحكومي الموجه للسلع والمحروقات والخدمات ، وينبغي – بحسب أقوالهم – معالجة هذا الخلل عبر إعادة توجيهه .
ووجه الغرابة هو أن هذا الاستحواذ لم يكن خافياً ولم تحصل عليه هذه الشركات والمؤسسات بطريق الاغتصاب أو تنتزعه انتزاعاً . إنما كان الأمر يتم بكل رحابة صدر ، ويتم طواعية تحت ( لافتة ) ومبررات استقطاب الاستثمار وزيادة الانفتاح وتقديم صنوف المزايا والتسهيلات حتى لو كان على حساب مزاحمة المواطن ومنافسته في أوجه ومحلات طلب رزقه . فكان المجال مفتوحاً لهم بلا ضرائب ، وتُقدّم لهم تسهيلات – ربما – يسيل لها لعاب أبناء البلد .
ولعلّه يحقّ للجميع أن يستذكر الآن باستغراب شديد القرار الصادر في 31 ديسمبر 2005م ، ويحمل رقم (43) لسنة 2005 بتعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية للمرسوم رقم (19 ) لسنة 1961 الخاص بإنشاء السجل التجاري ، وصار بمقتضاه رسم موحد للسجل التجاري ، حيث نصّ هذا القرار على : ” يُستبدل بنص البند رقم (1) من المادة (14) من اللائحة التنفيذية للمرسوم رقم (1) مالية لسنة 1961 الخاص بنظام السجل التجاري النص الآتي : “يُحصّل رسم موحد مقداره عشرون ديناراً بحرينياً عن كل طلب قيد أو تجديد قيد في السجل التجاري أياً كان النشاط أو الأنشطة الواردة بالطلب ” .
وبموجب هذا القرار المذكور أصبح الجميع سواسية ؛ (20) ديناراً فقط لاغير عن كل طلب قيد أو تجديد قيد في السجل التجاري ، يستوي في ذلك المحلات الصغيرة والمؤسسات الكبيرة . أي لافرق بين البنوك والشركات والمصانع و(السوبر ماركات ) والفنادق والمطاعم ووكالات بيع السيارات والمقاولات وبين محلات ( الأشار ) والفلافل و( المتاي ) و( الشوارما ) و( السمبوسة ) و( البوتيكات ) و( العبايات ) ، كلها (20) ديناراً !
وحتى نتعرّف على مقدار الهدر أو ما تم خسارته جراء القرار المذكور أعرض على القراء الكرام البند رقم (1) من المادة (14) الذي كان معمولاً به منذ عام 1961م قبل أن يتم استبداله في نهاية ديسمبر 2005م . ينص البند السابق ” يكون رسم القيد والتجديد سنوياً لكل نشاط من أوجه النشاط التجاري الذي يمارسه كل من يلزمه القانون بالقيد في السجل التجاري وفقاً للجدول المرفق بهذا القرار ” وبالنظر إلى الجدول المرفق نرى الآتي : أولاً : الخدمات المنزلية والشخصية : تتراوح رسومها مابين (25) إلى (200) دينار . ثانياً : الورش والكهرباء : تتراوح رســومها مابين (50) إلى (1500) دينار . ثالثا : خدمات التأجير : تتراوح رسومها مابين (25) إلى (500) دينار. رابعاً : خدمات النقل والمواصلات : تتراوح رسومها مابين (100) إلى (10,000) دينار . خامساً : الخدمات المالية ( تشمل البنوك والمصارف ) : تتراوح رسومها مابين (150) إلى (10,000) دينار . سادساً : الخدمات المهنية : تتراوح رسومها مابين (100) إلى (600) دينار. سابعاً : خدمات المقاولات : تتراوح رسومها مابين (100) إلى (7500) دينار . ثامناً : خدمات أخرى ( تشمل الفنادق والمطاعم ) : تتراوح رسومها مابين (20) إلى (7500) دينار .
وأترك لكم حساب أو تقدير قيمة المبالغ المالية الضخمة التي أسقطها القرار رقم (43) لسنة 2005 وتنازل عن تحصيلها آنذاك كمورد هام في ميزانية الدولة ، كان يجري استحقاقه من الشركات والمؤسسات الكبرى التي نأتي اليوم ( بعد حوالي خمس سنوات ) لنتباكى ونقول أنها كانت تستحوذ على غالب ما تخصصه الدولة من ميزانية لدعم السلع والمحروقات والخدمات . . طيّب ما دامت كذلك ؛ لماذا ارتضينا أن نعفيها من الرسوم ونكتفي بأن نأخذ منها مبلغاً رمزياً قدره (20) ديناراً فقط ؟!
لاشك أنه أمر غريب – مثلما ذكرت في بداية المقال – أن تدفع الشركات الكبرى والبنوك والفنادق وما شابهها من المؤسسات التي تكون رؤوس أموالها ضمن خانة الملايين (20) ديناراً فقط لاغير ثم نأت الآن ونتحدث عن استحواذها على الدعم بينما – بحسب تقديري – لم نكن بحاجة لهذا الحديث لو لم يتغير البند رقم (1) من المادة (14) من اللائحة التنفيذية للمرسوم رقم (1) مالية لسنة 1961 الخاص بنظام السجل التجاري .