راصد

السرائر والظواهر

كان يا ماكان في سالف الزمان ، شخصان أحدهما ( س ) والآخر ( ص)  جمعتهما زمالة العمل معاً في مؤسسة ما ، حتى أصبحا من مسؤوليها الذين امتدت لسنوات بينهما علاقات الود والصداقة . كانا يبثّان لبعضهما البعض شتى أمانيهما وهمومهما في أجواء لا تنقصها الحميمية . في إحدى لقاءاتهما اشتكى أحدهما ( س ) للآخر (ص ) خوفه من تأثير الانترنت على أولاده وخشيته مما تعرضه تلك المواقع من انحرافات وسلوكيات يصعب مراقبتها أو الحدّ منها .

حدّثه زميله (ص ) عن تجربته عندما كبُر ابنه ؛ فقال أنه حرص أن يزرع في الابن مراقبة الله له ، وأن يجعل هذه القيمة وازعاً مغروساً فيه لا ينفكّ عنه ، على اعتبار أن رقابة الأب أو الأم قد تأتي بنتائج عكسية مالم يكن هنالك دافع ذاتي ومعنوي يمنع الإنسان من ارتكاب الذنوب وانتهاك المحرّمات وفق قناعة تامة بضرورة الخوف من الله والإحساس بإطلاعه على شتى أعماله ، جهرها وسرّها ، وسواء في العلن أو في الغرف المغلقة .

وقال المسؤول ( ص ) صاحب التجربة أنه روى لابنه آنذاك القصة الشهيرة عن الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما كان يتجوّل ذات ليلة بالمدينة المنورة ويتفقد أحوال الرعية ، ومعه خادمه فأعياه التعب فاتكأ إلى جدار بيت ، وإذ امرأة تقول لابنتها:  قومي إلى اللبن فامزجيه بالماء، فقالت الفتاة : يا أماه أو ما سمعت منادي الخليفة ينادي : لا يخلط اللبن بالماء . فقالت : إنكِ بمكانٍ لا يراكِ فيه الخليفة عمر ولا مناديه ، فقالت الفتاة : يا أمّاه إن لم يرنا عمـر فإن الله يرانا !

وواصل هذا الزميل (ص ) فيقول أنه عمل لوحة جميلة مكتوب فيها هذه البيوت الشعرية :

وإذا خلوت بريبة في ظلمة         والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها      إن الذي خلق الظلام يراني

وقام (ص ) بتعليقها في مكان بارز بغرفة ابنه ، لتبقى رقابة المولى عز وجل حاضرة أمام ناظريه عند كل عمل يمارسه ، وبالذات كلّما دخل على الانترنت واختلى بهاتفه النقال أو ما شابه ذلك . وأردف هذا المسؤول ( ص) أنه حرص بالإضافة إلى ذلك أن يطلب من ابنه تطهير و( فلترة ) سائر تصرّفاته من آفة الكذب لأنها الباب الواسع للولوج إلى كل محرّم وممنوع .

اعتقد الزميل الشاكي (س ) بفكرة زميله ، وقام بتقليد أسلوبه ، وأكبَره في نظره على اعتبار أن مثل هذه التربية  والسلوك لا ينشأ إلاّ من رجل هو بالأساس يخاف من الله ويتقيه في كل شيء . ثم مضت السنون وعلاقة هذين المسؤولين ( س ، ص ) تتوطّد وتزداد قوّة ورسوخاً قبل أن تجري في النهر مياه آسنة ، فتتدخل بينهما أطراف ومآرب جعلت من الخلاف بين هذين المسؤولين غرضاً وهدفاً واستغلالاً دونه خرط القتاد .

تفاجأ حينئذ ( س ) بأن زميله ( ص) قد غيّره هذا الخلاف كثيراً ، فجعله إنساناً متناقضاً معه ، ومحارباً له ، بل وفاجراً في خصومته ، يعيش التباين الواضح بين ظاهره وباطنه أو بين فعله وأقواله أو بين جهره وسرّه دون أن يثير ذلك عنده أدنى استهجان حتى صار ذلك السلوك مقبولاً عنده ، بل وألِف حالة الاغتراب مع نفسه والتناقض مع حقيقة سريرته حتى أنه في إحدى المرات قيل لهذا الـ (ص ) أن ما تقوله أو تدّعيه وتكتبه عن زميلك ( س ) كذب وافتراء . فلم يتردّد أو يتورّع عن أن يقول لهم : أدْري !! ناسياً أو من غير أن يتذكّر أنه في يوم من سالف سني حياته قد حدّث زميله (س) عن تربيته لابنه وتنشئته على ألاّ يجعل الله أهْوَن الناظرين إليه !!

إنه أمر يثير الحزن كلّما سمعت أمثال هذه القصص التي يتم فيها بيع القيم والمباديء والتخلّي عن علاقات راسخة من أجل مصالح ضيقة ويتضاعف هذا الحزن حينما تكون هذه الحالات من أناس كانوا معروفين بالصلاح كصاحبنا (ص ) لأن الآخرين من أهل العيب أو المعروفين بنواقصهم أو قاذوراتهم في دنيا الناس لايستحقون التوقف عندهم إن تباينت وتناقضت سرائرهم وظواهرهم ، فليس متوقعاً منهم شيئاً غير ذلك .

سانحة :

قال تعالى ” يعلمُ خائنَةَ الاٌّعْيُنِ وما تُخْفِى الصُّدور “

قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية العظيمة : ”  يُخبِر عز وجلَّ عن عِلْمه التَام المُحيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها ، صغيرها وكبيرها ، دقيقها ولَطيفها ليحذر النَّاس علمه فيهم  فَيسْتحيوا من اللَّه تعالَى حقّ الحياء ويتَّقوه حق تقواه ويُراقبوه مراقبة من يعلَم أنّه يراه فَإنَّهُ عزَّ وجلَّ يعلَم العَيْن الخائنَة وإنْ أَبْدت أمانَة ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصُّدور من الضَّمائر والسَّرائر .

أضف تعليق