كثيرة هي الغرائب التي تنهال علينا هذه الأيام من دون أن نستطيع تفهمها ، لانملك أمامها إلاّ اجترارها والتألّم بشأنها ثمّ نسلّم مسألة فكّ طلاسمها للقول المشهور ” في شي احنا مانشوفه “
تجد من ضمن هذه الغرائب أن هناك من يقيمون الدنيا ولا يقعدونها في الداخل والخارج بشأن حرية التعبير والكلمة ويتباكون عليها ويوزعون التهم و( الافتراءات) عن وجود انتهاكات وخروقات للقوانين والتشريعات والأعراف المرعية ولكنهم من أوائل من يفرّطون فيها إذا لامستهم أو تعلقت بهم . وهناك من يدعون إلى سطوة القضاء بعد الاحتكام إليه لكنهم من أوائل من يرفضون أحكامه إن صدرت ضد ما يتوقعون أو يريدون !
وهناك من يصرخون ويدبجون البيانات ويرسلون التصريحات عن تجاوزات وخروقات لحقوق الإنسان ويدعون المجتمع الدولي ومنظماته للتدخل والضغط على البحرين لوقفها لكنهم يلوذون بالصمت ( كما سكون القبور ) أمام انتهاكاتهم حتى لو تعلّقت بجريمة قتل وإزهاق أرواح كجريمة دهس متعمّد لتسعة من رجال الشرطة في مواقع عملهم .
لانريد قانون طواريء ، ولا نريد تمديد فترة حالة السلامة الوطنية ، ولانحتاج لأي شيء آخر ؛ فنحن دولة مؤسسات وقانون ، ولدينا من التشريعات والإجراءات ما يكفينا عن اللجوء إلى أية أوضاع استثنائية . لكن فقط إذا قمنا بتطبيق هذه القوانين .
لانخفي سرّاً إن قلنا أن هنالك مشكلة أمنية تأسست في بلادنا ، صارت تنال من هيبة السلطة وتحطّ من قوّتها وتقلل من سطوتها ، وأبسط تداعيات هذه المشكلة الأمنية هو تجرّأ أي شخص أو مجموعة ، ولأي سبب من الأسباب على القيام بأعمال التخريب والاعتداء على ممتلكات عامة أو خاصة ، بل والاعتداء على الأرواح دونما خوف من رقابة أو محاسبة طالما أن الأمر في محصلته النهائية بحسب توقعاتهم أو الخبرة والتجربة التي تراكمت لديهم خلال السنوات السابقة سيكون مآله العفو وإطلاق سراحهم.
لا نريد أن نقسي على الدولة في ظرفها الصعب ونثق في حكمتها وقدرتها، ولا نريد أن نجترأ أو نحرّض على أحد ، لكننا نريــد الأمن والاستقرار الذي لا ينبغي التفريط به أو التهاون فيه . وأن هذا الأمن والاستقرار لا يمكن أن يتحقق في واقع أي دولة إلاّ من خلال تفعيل أجهزتها وسلطاتها وقوانينها التي يُفترض أن تكون قادرة على بسط الأمان وتحقيق الردع اللازم من دون أن يكون ذلك محل كثرة تردد أو تكرار تراجع ، إنما يُسهم في نهاياته أن تضيع هيبة الأمن .
أوباما ( النبي ) :
أسوأ ما يمكن أن يتصوّره أي إنسان هو أن يستمع لشيطان يتحدث بلغة عصمة الأنبياء أو يتظاهر بطهر الملائكة ، وهذا بالضبط ما ينطبق على خطاب الرئيس الأمريكي أوباما مساء الخميس الماضي حينما تكلم عن الثورات في الدول العربية وعن الديمقراطية وعن حقوق الإنسان وعن الكرامة وعن هدم المساجد وعن قمع المتظاهرين وعن السجون وما شابهها من أمور تغصّ بخروقاتها السياسة أو ( العربدة ) الأمريكية ، بل إن شواهدها لا يمكن أن يغطيها ظلام الكون كلّه ، جرائمهم وانتهاكاتهم يفيض بها الزمان والمكان . فمن يستطيع مقارنة ما يحدث في البحرين أو سوريا أو ليبيا أو اليمن بما فعله – ولا يزال – الأمريكان في العراق وأفغانستان وفلسطين ، وهل هناك أي مقارنة مثلاً للمسجونين في أي بلد إسلامي مع مساجين هذا الكابوي في غوانتنامو !!
سانحة :
يُروى في تاريخنا الإسلامي أن الخليفة الراشد ، الفاروق عمر بن الخطاب حينما ذهب ليأخذ مفاتيح بيت المقدس، سمع النصارى بقدومه ، فاستعدّوا لرؤية هذا الحاكم الذي ارتجت الدنيا بذكره، والذي اهتزت المعمورة بصيته، والذي إذا ذكر عمر في مجلس كسرى و قيصر يكادان يغمى عليهما من الخوف . فلما سمع النصارى بمقدمه ليأخذ مفاتيح بيت المقدس خرجوا لاستقباله في أبهة عظيمة، وخرجت النساء على أسقف المنازل وعلى سطوح البيوت، وخرج الأطفال في الطرق والسكك. وأما جيوش المسلمين هناك وقوادها الأربعة فخرجوا في عرض عسكري رائع ما سمعت الدنيا بمثله.
ظن الناس أنه سوف يأتي في كبار الصحابة، وفي كبار الأنصار والمهاجرين من الصالحين والعلماء، ومن النجوم والنبلاء، لكنه أتى بجمل واحد ومعه خادمه، فمرة عمر يقود الجمل والخادم يركب، ومرة عمر يركب والخادم يقود! فلما أشرف على بيت المقدس قال الأمراء المسلمون: من هذا؟ لعله بشير يبشر بقدوم أمير المؤمنين. فاقتربوا منه فإذا هو عمر بن الخطاب ! وقد أتت نوبته، وإذا هو يقود البعير وخادمه على البعير.
فقال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين الناس في انتظارك والدنيا خرجت لاستقبالك، والناس يسمعون بك وأتيت في هذا الزي؟! فقال عمر قولته الشهيرة التي حفظها الدهر ووعتها الدنيا:” نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله”