بالأمس وقفنا في مقبرة المنامة نهيل التراب ونضع الطوب على شيخنا الفاضل ، معلّم القرآن الكريم وحافظه ، الشيخ أمان الله الذي تركنا نحن أبناء هذه الدنيا وفي عيوننا عبرة وقلوبنا تغصّ بالألم على رحيله الذي لا أذكر أني دخلت مسجد أبي بكر الصديق بالمنامة فلم أره إلاّ إماماً أو مؤذناً ، ازدان المكان والزمان بترانيم صوته وخشعت القلوب لحسن تلاوته واستلب أفئدة المصلّين الذين كان قريباً منهم ودوداً لهم ، ويكاد يعرفهم جميعاً على كثرتهم حتى صار فقده يوم أمس يوم حزن وأسى على لوعة فراقه لدى جموع غفيرة من الناس توافدت من شتى أنحاء البلاد للصلاة عليه وتشييعه لمثواه الأخير . فاجأهم رحيله لولا أنه هكذا نهاية الدنيا وحقيقة الحياة ومصيبة الموت التي لاتقدّم الشيوخ على الشباب ولا الصغار على الكبار ، ولا المرضى على الأصحّاء ، بل من جاء أجله رحل وغادر ، ولم يبق له من ذكر في حياة الناس سوى عمله وإخلاصه ومآثره التي نحسب أن الشيخ أمان الله قد تسيل الدموع لدى كثرة من أهالي الحورة والقضيبية وغيرهم كلّما سمعوا الأذان يُرفع في هذا الجامع الكبير من غير صوت الشيخ أمان الله الذي اعتادوا على ( تشنيف ) مسامعهم بصوته الشجي وأدائه الخاشع حتى صار أذانه معروفاً ومعلماً لهذا المسجد ، سنبكي حتماً حينما نسمعه من غيره .
للشيخ أمان الله تلامذة حفّظهم القرآن الكريم كاملاً ، أعلى شأنهم عند الله وسيردّون له جميله بالدعاء له فقد قضى حياته في هذا المجال العظيم ، فهو يبدأ يومه في التحفيظ يومياً من بعد صلاة الفجر ويستمر حتى المغرب يتوافد عليه يومياً عشرات الطلاب ، ينهلون مما لديه ويقرأون عليه القرآن ، يصحّح لهم ويشدّ من عزمهم ، من دون ملل أو كلل ، هكذا كانت حياته بين الإمامة ورفع الأذان وتحفيظ كتاب الله منذ أن استقدمته في الثمانينات لهذه المهمة الجليلة العائلة الكريمة ، عائلة الكوهجي ، جزاهم الله خيراً على مسجدهم الذي كان الشيخ أمان (حمامته ) منذ إنشائه ، وبارك الله في عطاياهم وبرّهم بدينهم.
يوم أمس وقفت في المقبرة أتأمل : الجميع يأتي ويخرج بسرعة منها ، هذا المكان طالما قضينا فيه أوقاتاً ، وسرنا في طرقاته وجنباته في جنائز الإخوة والأحباب ، ولطالما مررنا سريعا بين شواهد القبور فيه ، وتأتي على طريق هذه المقبرة يومياً السيارات وتذهب . الجميع يمرّون على هذا المكان الرهيب بصمته ؛ لكن القليلون الذين يشعرون بهيبته ، لا أحد يفكّر في التوقف ولو للحظة للتذكر والاعتبار بمن كانوا معنا ويسيرون بيننا ولكنهم حُملوا إلى هذا المكان الذي طالما تجاوزوه . لاشك أنها هي دنيانا التي أشغلتنا حاجاتها فلا يطرأ علينا طارىء الموت، ولا ذكرى الراحلين، ولا مشهد هذه القبور التي تملأ الرحب ، نعيش فيها كالمخلّدين الذين لايتوقعون فراقها ومغادرتها . هل تسوي هذه الدنيا كل هذا الاهتمام الذي نعطيه إياها ؟ هل تسوى هذه الدموع والحسرات التي قد نذرفها عليها ؟ هل تستحق كل هذه العداوات والضغائن التي نصنعها أو الأموال التي نكدّسها ؟
كثيرون أولئك الذين حياتهم تمرّ كما السحاب ، خطفهم الموت وأسكنهم في هذا المكان ( المقبرة ) ولكن القليلون من يترك ذكرى عطرة وآثاراً باقية يذكرها له الناس بخير ويترحمّون عليه . يموت العظماء من الناس فيكون ميراثهم المال والعقار ولكنهم في دنيا الناس وذاكرة المجتمع أصفار في أصفار سرعان ماتتلاشى أشخاصهم وتغيب عن الأذهان معالمهم ، ويموت من مثل الشيخ أمان الله فتتوافد الجموع لتشييع جنازته ويجزع ويحزن لموته حتى من لاتربطه به صلة لكثرة ماسمع من ثناء وذكر عنه ، فيكون ميراثه حينئذ واسعاً وباقياً . كيف لا ، وقد ورّث رحمه الله اثنين من أبنائه حفظ كتاب الله ، وذات الإرث أخذه ونشأ عليه العشرات وربما المئات من أبنائنا . رحم الله حافظ القرآن الكريم وإمام ومؤذن جامع أبي بكر الصديق الشيخ أمان الله ، فقد شهدت له يوم أمس جموع الناس وحشودهم بتقواه وورعه وارتفعت أكفّ ضراعتهم بأن يسكنه المولى عز وجل فسيح جنّاته .
رحم الله الشيخ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجزاك الله خيرا على هذا المقال الرائع.
إعجابإعجاب