بخلاف آخرين لهم كتاباتهم وتحليلاتهم الوطنية الصادقة والمخلصة ؛ فقد اشتطّ البعض منذ أن ظهرت نتائج الانتخابات النيابية والبلدية في الشماتة والتفريج والتنفيس عمّا بداخله من أمنيات أو مشاكل أو حسابات مع الجمعيتين الخاسرتين في هذه النتائج ( المنبر والأصالة ) . وبالرغم من أن زيادة أو نقص أو انعدام مقاعد أي كتلة في أي برلمان أمرمتوقع لمن يشارك في الحياة السياسية ويدخل العملية الديمقراطية ويحتكم إلى صناديق الاقتراع للوصول إلى قبة البرلمان ؛ إلاّ أن بعض ما كُتب كان يسمي خسارة الجمعيتين انحساراً أو انهياراً لشعبية تياريهما في الشارع السنّي . وأحسب أن مثل هذا الكلام ينقصه الدقّة وربما يغلب عليه طابع التمنّي والتشفّي أكثر من الواقعية . وذلك للأسباب التالية : أولاً : إن الإسلاميين يرون في هذه المجالس أنها وسيلة ضمن عدّة وسائل لنشر دعوتهم وتحقيق أهدافهم وليست غاية ، فإن ضعفت أو انفقدت هذه الوسيلة – رغم أهميتها – لاتعني إلغاء بقية وسائلهم ، خاصة أنهم كانوا موجودين وعاملين وفاعلين في المجتمع لعشرات السنوات التي سبقت عام 2002م ، وهو عام تدشين البرلمان . ثانياً : إنْ أقصى الناخبون الجمعيات السياسية لهذه التيارات عن ساحة البرلمان أو البلديات فإنهم لم يتخلوّا عن الانضمام أو الاتباع أو التأييد أو العرفان لتيارات هذه الجمعيات وقواعدها. إذ لازالت محاضنها ومراكزها وسائر مؤسساتها تغصّ بالإقبال الشديد من قبل – بالذات – الشباب ( ذكوراً وإناثاً ) فما من مركز أو محضن إلاّ وقد امتلأ عن بكرة أبيه بالمشاركين والمسجلين فيه ، بل وصارت جميع تلك المراكز محل جذب واستقطاب يحرص أولياء الأمور على إلحاق أبنائهم بها ، يستوي في ذلك حتى المختلفون مع تلك الجمعيات ، بل حتى من يعادونها ويحاربونها ، في إشارة واضحة منهم للعرفان بمكانتها وأهميتها وثقتهم بها في حفظ أبنائهم وفلذات أكبادهم وتنشئتهم بعيداً عن مهاوي الضياع ومخاطرالانحراف واستحقاقاته الجارفة . ثالثاً : يكاد يُجمع المحللّون على أن السبب الرئيس لخسارة الجمعيتين للمقاعد البرلمانية أو البلدية يرجع إلى فكّ التحالف المفترض إقامته بينهما ، وبغض النظرعن أسباب وملابسات فكّ هذا التحالف فإن ماترتب على ذلك من نتائج يجب عزوه في غالبه على هذا السبب وليس تفسيره بأنه نتيجة انحسار لشعبية تياريهما .
وحتى لايكون الكلام عاماً ومرسلاً ، أو خاضعاً لتوجهات كاتبه ، سواء مع أو ضد ؛ فإنه يُفضّل في مثل هذه الأحوال الاحتكام إلى لغة الأرقام لبيان الفرق بين الخسارة والانحسار . فقد أخذت من النتائج والإحصائيات الرسمية *، عدد الكتلة الانتخابية لمحافظة المحرق باعتبارها – بحسب المراقبين والمحللين – الأكثر حراكاً وسخونة انتخابية .
حيث يبلغ مجموع الكتلة الانتخابية المحرقية في دوائرها الثمان ( 57233) ناخباً فإذا استثنينا منها ناخبي الدائرة الأولى ( البسيتين ) التي فاز فيها – محسوب على أحد التيارين – الشيخ الفاضل عادل المعاودة بالتزكية وعددهم ( 6810) ناخباً ، وكذلك استثنينا منها ناخبي الدائرة السادسة ( الدير وسماهيج ) البالغ عددهم (7173) ناخباً باعتبار أن موضوعنا يتعلق بتيارات الشارع السني فقط ؛ فإن المتبقي بعدئذ من الكتلة الانتخابية المحرقية هو (43250) ناخباً . وعدد الذين شاركوا منهم في الانتخابات (29747) ناخباً فقط ، بينما لم يشارك فيها (13503) ناخباً .
أرقام المشاركة التي نعنيها هنا تخصّ – بعد استثناء الأولى والسادسة – ست دوائر محرقية من ثمان ، حسمت الانتخابات في ثلاث دوائر من هذه السّت لصالح مرشحين محسوبين على هذين التيارين الإسلاميين الذين يُبشّر البعض ويُهلّل بانحسارهما ، وهذه الدوائر الثلاث هي الثانية والثالثة والثامنة ، ويبلغ مجموع كتلتها الانتخابية المشاركة ( 11067) ناخباً ، فإذا طرحنا هذا العدد من مجموع الكتلة المشاركة وهو (29747) ناخباً يتبقى للثلاث الدوائر التي لم تُحسم لمرشحي هذه التيارات (18680) ناخباً .
أترك للقاريء الكريم استكمال بقية عمليات الطرح والجمع في داخل هذه الكتلة الانتخابية المحرقية الباقية التي لم يفز فيها مرشحو تلك التيارات ، وعددها (18680) ناخباً ، آخذاً في الاعتبار أن أصوات الناخبين التي حصل عليها الفائزون والخاسرون في هذه الدوائر الثلاث المتبقية متقاربة . وأخذاً في الاعتبار إن إحدى تلك الدوائر الثلاث ، وهي الدائرة السابعة دعمت الأصالة والمنبر المرشح الفائز فيها ناهيك عن أن الفائزين الآخرين ، لهما بصفتهما الشخصية والعائلية علاقات وامتدادات كبيرة ومقدّرة داخل هذين التيارين . كل هذه المعطيات والأرقام – بحسب رأيي – تؤكد أن الأمر يتعلق بخسارة مقاعد برلمانية قد تنقص أو تزيد ، وقد تعود أو لاتعود بعد أربع سنوات أو أكثر ، لكن ليس انحساراً لتيار وفكر المنبر أو الأصالة كما يحلو للبعض أن يفسّره أو يتمنّاه .
* الإحصاءات مأخوذة من الصحف المحلية الصادرة في 25 أكتوبر 2010م ، وهو اليوم التالي لإعلان نتائج الانتخابات.