تتنوع وسائل التأثير في الجماهير كماًّ وكيفاً ، وأخذت في عصرنا الحاضر أبعاداً لايحدّها المكان ولا الزمان ، وصارت عملية توجيه الرأي العام علم وفن قائم بذاته لايعتمد على القدرات والمواهب في الموارد البشرية بقدر ما يولي التأهيل والتدريب والتقنيات من أهمية قد يكون لها النصيب الأوفر في إحداث التأثيرات المطلوبة .
وبالرغم من أن الجميع يعرف أن وسائل التأثير إنما هي في النهاية منابر تتمايز قوتها من منبر إلى آخر إلا أن بعض القوم يصرّون في مناسبات كثيرة على الغمز واللمز من قناة منبر صلاة الجمعة من دون كثرة من منابر الاتصال والتأثير في الجماهير ، ويشوّهون – بقصد أو من غير قصد – الصفحة البيضاء التي يجب أن نُبرز فيها علماؤنا ونجلّ بها مشايخنا حسبما علّمنا ديننا الحنيف من واجبات احترامهم وإنزالهم المكانــة اللائقــة بهم ، ففي الحديث الشريف ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًى بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) .
ومن حين إلى آخر يظهر علينا من يحذّر من استغلال منابر الجمعة للانتخابات أو للسياسة أو ما إلى ذلك من دعاوى تصل إلى حدّ المطالبة بمنع خطبائنا الأفاضل من اعتلاء منابرهم خلال الانتخابات ! وإذا سألت أيّاً من هؤلاء عن تفسيره لماهية الاستغلال وكيفيته أو ماهي الموضوعات التي يمكن أن يتناولها خطيب الجمعة فتُعدّ عليه استغلالاً للمنبر ؛ فإنك لن تجد جواباً سوى بعض العموميات التي لاتنمّ إلا – في الغالب – عن معاداة لأصحاب التوجه الإسلامي وتحذيراً منهم .
وإذا تفهمنا دواعي وأسباب تكرار هذه الكتابات والأقاويل وأسبغنا عليها ما نشاء من المبررات فإننا لا نرضى أن تنساق الجهات الرسمية المسؤولة عن منابر الجمعة وراءها فتردد ذات التحذيرات للمشايخ والخطباء من استغلال منابرهم للدعاية الانتخابية أو السياسية في الوقت الذي نأمل من تلك الجهات دعم وتطوير خطاب الجمعة والارتقاء به ليكون ضمن معايش الناس ومشكلاتهم وقضاياهم ، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية سواء بسواء مع خطباء الجمعة التابعين لإدارة الأوقاف الجعفرية الذين يتناولون جميع تلك الشؤون بأريحية وشفافية وحرية تامة دونما تعميم أو توجيه من أحد ، ومن دون أن نسمع في يوم من الأيام من يقصدهم بتحذيراته من استغلال مساجدهم أو مآتمهم أو منابرهم للدعاية الانتخابية أو السياسية مثلما يفعل بعض القوم الحساسين جدّاً على منابر الجمعة بحيث لايتركون شاردة أو واردة من المناسبات إلاّ ويحذّرون ويوجهون هؤلاء المشايخ بذات التحذير الممجوج.
ولذلك ندعو وزارة الشؤون الإسلامية ، وإدارة الأوقاف السنية على وجه الخصوص ألاّ تنجرّ وراء هذه المهاترات والمزايدات لاسيما مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي فتسيء من حيث لا تدري إلى قيمة منابر الجمعة ومنزلة مشايخنا الأفاضل بتوجيهات وضغوط من مخاوف و” وساوس” لا مكان لها من الإعراب . وألاّ تنصاع بإجراءات أو تعاميم – كما قرأنا مؤخراً في إحدى الصحف المحلية – تخصّ منابر الأوقاف السنية دون غيرها . وعلى العموم ما يريد البعض تطبيقه على منابر الجمعة بالنسبة لخطبائنا الأجلاء – سواء في مذهب واحد أو على المذهبين الكريمين – يجب أن تتم المطالبة بتطبيقه أيضاً على سائر المنابر الأخرى ، كالأستاذ في جامعته والطبيب في عيادته والفنان في مهنته والرياضي في لعبته ولاننسى حتى الصحفي في جريدته .