من منّا يعرف الدجيل قبل بدء محاكمة صدام حسين ؟ أم من كان يتوقع أن تكون محاكمة صدام على هذا النحو الهزيل والممل ، والذي قد لايخفى من كونها مجرد فصل من عدة فصول مسرحية أُحبكت الأدوار والسينوريوهات لها في الغرف المغلقة بأيد مخرجين مهرة في الحكومة العراقية بمساعدة حلفائهم أبطال أفلام الكابوي القابعين في ربوع بغداد الرشيد ؟
وماهي خصوصية هذه الحادثة ؟ ولماذا هذا التركيز الشديد عليها ؟ فالحادثة كما عرفنا هي محاولة اغتيال فاشلة قام بها أفراد أثناء زيارة الرئيس صدام حسين لقرية الدجيل ، أي أنها قضية عقاب وانتقام من صدام تجاه مجموعة حاولت اغتياله قام من خلالها الرئيس السابق بإعدام مجموعة كبيرة بقصد إرهاب الناس وبحجة مشاركتهم في المؤامرة ، تماما كما فعل أو كان سيفعل أي حاكم عربي أو دكتاتور آخر في أي مكان من العالم.
لقد كان المتوقع أن تكون محاكمة صدام على قضايا أكبر وأكثر فداحة ، خاصة تلك التي روجت لها آلة الإعلام الأمريكية والأوروبية قبل احتلال العراق ، كالمذابح المرتكبة من قبل النظام البائد ، أو عن تلك المقابر الجماعية التي لازالت الحكومة العراقية بمساعدة أصـدقائهم الأمريكان يكتشفونها بين حين وآخر ، أو عن مجزرة حلبجة للأكراد حيث اُســتخدمت الأسلحة الكيميائيــة ، أو عن غزو الكـويت ، أو محاكمته عن الأسـرى الكويتيين ، أو أسلحة الدمار الشامل التي لايــزال البحث جار عنها دون فائدة أو عن ….. إلى آخره من الجرائم التي خلفت مئات الآلاف من ضحايا مجازر الإعدام والمقابر الجماعية والحروب والترحيل والتهجير والسجن والتعذيب وفقدان الوظائف ومصادر الرزق، مما لم يكن منها الدجيـل أو على الأقـل لم تكن في وارد الأولويات .
صراحة كنا نتوقع أن تكون محاكمة صدام حسين صفحة بيضاء ستكشف للعالم الكثير من الحقائق ، أو بالأحرى الفضائح التي ستبين لكل طرف موقعه ، والدور الذي قام به . غير أن محاكمته عن جريمة الدجيل من بين مئات الجرائم التي اُتهم بها صدام ؛ إنما تثير شكوكاً تتعلق بأنها محاولة لإخفاء الجرائم الأخرى ، بل بقصد إخفاء كل أثر لكل من له علاقة بها ، فجرائم صدام الأخرى له فيها شركاء دوليون وعرب ، وسماسرة موردون ومصدرون دوليون وعرب . وستبقى – أيضاً – محاكمته عن الدجيل من دون تلك الجرائم ، وقبلها ؛ شاهداً على طائفية متخذي هذا القرار في الحكومة العراقية .