يُقال أنه لما رأى أحد الصالحين الحجاج وقت خروجهم من بلدهم إلى مكة المكرّمة يريدون الحج وقف يبكي ويقول: واضعفاه .. ثم تنفس وقال : هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت .
ولذلك يجب في هذه الأيام على المسافر إلى البيت الحـرام لأداء مناســك الحج ، أن يستشعر مقدار الخير الذي هو فيه ، وأن يعي مِنّة الله عليه وفضلَه ، أن هداه لهذا السفر المبارك مع وفود الرحمن ، السفر إلى خير ما يسافر إليه الإنسان حسبما ورد عن الحبيب صلى الله عليه وسلم : “ إنَّ خَيْرَ ما رُكِبَتْ إليه الرَّواحِلُ : مَسْجِدِي هَذَا ، والبَيْتِ العَتِيقِ “
كما لابد للحجاج أن يتذكروا نعمة الله عليهم أن يسّر لهم السفر والوصول إلى تلك البقاع المقدسة ، في الوقت الذي يتمنى ويشتاق كثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الوصول إلى مكة المكرمة فلا يستطيعون إما لعجز أو لقلة ذات أيديهم أو لغير ذلك من الموانع التي حالت بينهم وبين محل أشواقهم ومحط أنظارهم ، ومأوى أفئدة المسلمين ومكان استجابة المولى عز وجل لدعاء نبيّه إبراهيم عليه السلام : ” رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ “
وكم غيّب الموت واحتضنت الألحاد من والد أو قريب أو صاحب، ووارى التراب من عزيز حميم ، وكم اكتظت الأسِرّة بالمرضى الذين تتفطر قلوبهم وأكبادهم، ويبكون دماً لا دموعاً حتى يشدّوا الرحال إلى تلك البقاع الطاهرة ، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون!
قبل عدة سنوات ، في شهر رمضان المبارك ، وفي العشر الأواخر ، وبينما كان العبد الفقير كاتب هذا المقال في سطح الحرم المكي واقفاً على سوره الذي يطلّ على الكعبة المشرّفة في فناء الحرم ، وقف بجانبي ثلاثة من الإخوة المصريين ، وكان منظر الطائفين حول البيت العظيم من موقعنا في هذا العلو الشاهق لا تنقصه المهابة ولا يخلو من الرهبة وتعجز الألسنة عن إيفائه حقّه من روعة الوصف ؛ سمعت أحد الثلاثة المصريين يقول : اللهم ارحمنا من رحماتك الواسعة ، وأخذ يردّد هذا الدعاء كثيراً حتى أثار فضولي فسألته عن سبب إلحاحه بطلب رحمة المولى عز وجل ، فعلّمني – كعادة إخواننا المصريين دائماً – حديثاً شريفاً عظيماً ، قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : ” يَنْزِلُ عَلَى هَذَا اَلْبَيْتَ في كُلِّ يَوْمٍ مِائَة وَعِشْرُونَ رَحْمَةً : سِتُونَ لِلْطَائِفِينَ ، وأرْبَعُونَ لِلْمُصَلْينَ ، وعِشْرُونَ لِلنَّاظرين “0
وبينما كانت قلوبنا – كالمئات من المعتمرين – في ذاك الموقف مأسورة بروعة المكان والزمان ورهبته صاح أحد المصريين الثلاثة : بُس ، بُس ، يا بَخْتُـه .. وكان يشير بيده إلى جنازة محمولة على الأكتاف تشقّ طريقها بين جموع الطائفين والمصلين . وقد سألت أحد الفضلاء الراغبين في الحج هذا العام : لقد أحجم وامتنع الكثيرون عن الحج بسبب الخوف من الإصابة بانفلونزا الخنازير ؛ ألا تخاف من ذلك ؟ فكان جوابه : لو كان الموت هناك يُباع لشريناه ..