أدرك تماماً أني لا أملك فطنة الاقتصاديين ولا حنكة أهل المال ولا فصاحة التجار ورجال الأعمال ولا تأويلاتهم وتفسيراتهم ، لكني كغيري من الناس قيل لنا إبان الارتفاعات الرهيبة والفاحشة لأسعار كل شيء إن السبب الرئيس وراء موجات الغلاء هو ارتفاع أسعار النفط الذي هو أحد أهم عوامل الإنتاج ووصول سعر البرميل آنذاك إلى حوالي (147) دولارا ، وبالتالي كان لابد وأن يكون لهذا الارتفاع القياسي انعكاسه على أسعار السلع والخدمات الأساسية والكمالية والترفيهية بحيث تضاعفت أسعار أكثرها في غضون بضعة أشهر مرتين وثلاث مرات وربما أكثر.
وحينها ضجّ الناس بالشكوى خاصة بعدما تلازم غلاء معيشتهم مع صمود رواتبهم وعدم تزحزح مداخيلهم رغم توقعاتهم الكثيرة بأن زيادة أسعار النفط على غير المتوقع لها سينتج عنها فوائض مالية يمكن بسببها حل العديد من مشكلاتهم المعيشية والخدمية والإسكانية أو على الأقل الإسهام في حلحلتها فضلاً عن زيادة رواتبهم . وذلك على اعتبار أن ذلك ( غُنْم ) يعضد من مواردنا الاقتصادية .
ومع ذلك ؛ فإنه ليس من الصعب استنتاج أو ملاحظة أن شيئاً ملموساً إزاء كثرة من مشكلاتنا وأزماتنا المتراكمة لم يحدث ، وأن تلك الفوائض الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط لم تغير من واقع – على الأقل – الإسكان شيئاً . فلا بيوت آيلة للسقوط انتهت ولا تجديد حضري قد اكتمل – إذا كان قد بدأ – واستمرت الشكوى و( عازة ) الناس الذين اكتشفوا أيضاً أنهم وحيدين في معركة غلاء الأسعار ، فلا مراقبة فاعلة ولا دعم لرواتبهم .
غير أنه مع بروز الأزمة المالية في العالم ، والتي لازالت تضرب أطنابها في أعماق اقتصاديات مختلف الدول ؛ تهاوت أسعار النفط وهبطت من علو (147) دولاراً للبرميل إلى (43) دولاراً ، أي بمعنى أن سبب ارتفاع الأسعار قد زال وحيث أنه قد زال السبب فمن المفترض أو المتوقع أن تزول معه نواتجه أو عوارضه . لكن أيضاً شيئاُ من هذا لم يحدث أو على الأقل لم يتم الشعور به حتى الآن . وبالطبع ليس متوقعاً أن القفزات الهائلة التي اكتسبها التجار في أسعار سلعهم وخدماتهم سيتنازلون عنها ولن تتحول إطلاقاً إلى انخفاضات ، وسيحرصون على تماسك ماحققوه وسيتكلمون عن مخزون سابق يجب تصريفه و… إلخ .
في المحصلة ؛ كيف يمكننا في واقعنا المعيشي أن نكتشف أو نشعر بالفرق بين أن يكون سعر النفط (147) دولاراً وبين أن يكون سعره (43) دولاراً ؟!