راصد

ما ماتت بغداد .. إن بغداد لا تموت

قبل خمس سنوات ، وفي التاسع من شهر أبريل 2003م سقطت بغداد على أيدي التتار الجدد وعملائهم لكنها حتماً ستعود للحياة مجدداً ، هكذا هي طبيعة بغداد . وتعالوا معي لنقرأ مقالاً طالما قرأناه من روائع العالم الأديب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله رحمة واسعة ، يقول فيه : إني لأنظر الآن من خلال السنين، أقف على درب القرون، أراها وهي تمر بي قرنا بعد قرن، وأشاهد مواكب الأيام وهي تجوز بي موكبا إثر موكب، كفيلم في سينما تعرض فصوله قصة بغداد. لو كنت أستطيع أن أعرض الفيلم كله لأحسستم أنكم تعيشون معي في قلب التاريخ، وتحلون معي”أشخاصا” في هذه القصة العبقرية التأليف والإخراج. ولكن الفيلم طويل فاكتفوا بهذه اللمحات الخاطفة من هذا الفيلم العظيم.

نحن في مطلع الفيلم قبل نحو 1450سنة، وبغداد قرية صغيرة ، عندها سوق للغنم والجمال، ومن حولها السواد فيه النخيل ، ومن وراء السواد هذه الصحراء التي تتلظى فيها الرمال، وتتوقد الشمس، ويبدو من كل جهة فيها وجه الموت يتربص لكل قادم عليها من غير أهلها. أما أهلوها فقد أنسوا بالموت حتى رأوا فيه الحياة، يعيشون عيش الآساد في آجامها. يدلون بمثل ظفر الأسد ونابه، ويطوون صدورهم على مثل جرأته ووثابه، لذلك كانوا يحتربون ويتقاتلون، إذا لم يجدوا من يحاربون ويقتلون ، لا شريعة لهم إلا شريعة القوة، ولا حكم إلا حكم السيف.

في جوار هذه القرية الخاملة كانت تقوم المدائن، قرارة كسرى شاهنشاه، فيها عرشه وإيوانه، العجم يسجدون بين يديه ويكفرون له ( أي ينحنون)، والعرب يكبرون مكانه ويخافون سلطانه، ويسمون عاملا من عماله ( هو مدير ناحية الحيرة النعمان بن منذر) يسمونه ملك العرب.

*****************

ويدور الفيلم ويبدأ فيه سطر جديد . انظروا .. لقد ماج هذا البحر من القبائل التي كانت تسكن الصحراء وتحرك واضطرب ثم جرى فيه تيـــار قوي يجرف في طريقه كل شيء، لقد اتحد القوم المتفرقون ، ونبذوا راياتهم وهي شتى ليحملوا راية واحدة جديدة ، هي راية القرآن ، يقودهم تحتها المثنى بن حارثة ، نحو بغداد.

  وهاهم أولاء يتقدمون ، ويتقدمون ، ويتقدمون . لقد كان العجب العاجب. هؤلاء البدو الجاهلون ملكوا ملك كسرى، فلا كسرى بعد اليوم، وشادوا في مكانه ملكا أنفع منه وأبقى.

*****************

ويدور الفيلم وتظهر صورة ثانية لبغداد ، نحن في سنة 145 للهجرة وقد اندثرت القرية وذهب بها ريب الزمان وعادت الأرض مراتع وبساتين، وكان صباح يوم صائف من أيام الخريف، فوقف في هذه الساحة ركب من الناس، ونزل رجال يذرعون الأرض، يقيسون طولها والعرض، فسألت من هؤلاء؟وماذا يصنعون؟ قالوا: ألا تعرف من هؤلاء؟ يا عجبا! هذا هو الرجل الذي عاش ثلثي حياته عالما مغمورا لا يدري به أحد، وعاش ثلثها الثالث وهو الحاكم المطلق، في نصف المعمور من الأرض من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق.هذا هوالرجل الفولاذي الصلب،الذي بنى دولة عاشت راياتها وشاراتها، واستمر ذكرها على المنابر أكثر من ثمانمئة سنة، هذا أبو جعفرالمنصور جاء يقيم هاهنا مدينة!! ولم يغتصب الرجل الحديدي ذراعا واحدا من الأرض، وما كان الغصب يوما من صفات الخلفاء المسلمين حقا، بل اشترى الأرض من أصحابها بأكثر من أثمانها وأقام مدينته عليها.

*****************

  ودار الفيلم …وظهرت صورة ثالثة لبغداد. وتكاملت بغداد، واتصل الشاطئان، وامتدت الدور ، وتناثرت القصور، وسكرت بغداد بخمرة المجد والجاه والعلم والفن والغناء والسرور، وجاء العصر الذهبي ، عصر هارون الرشيد الذي قال للسحابة لما رآها : أمطري حيث شئت فسيأتيني  خراجك . والذي كانت كلمته تمضي في الأرض حتى تصل إلى أبواب الصين وشواطئ الأطلنطي لا يردها شيء. والذي ملك ما لم يملك قبله ملك قط. وقام ليلة يصب الماء على يد العالم أبي معاوية الضرير بعد أن عشاه معه على مائدته، فقال للعالم الضرير: أتدري من يصب الماء على يديك؟ قال : لا ، قال : الخليفة العظيم هارون الرشيد : أنا.

فهل ترونه اضطرب العالم أو اهتز؟ لا والله ، وبقي يغسل يديه وهو يقول: إنما كرمت العلم يا أمير المؤمنين . هكذا كان ملوكنا وهكذا كان العلماء.

لقد صارت بغداد أم المدن، وحاضرة الحواضر، وبلغت ما لم تبلغه روما في سلطانها ولا القسطنطينية ولا المدائن ذات الإيوان، لقد غدت سيدة العالم والبلاد لها خول.مايظهر في بلدة طريف ولاظريف من ثمرات الأيدي ، ولامن نتاج الطبيعة ، ولامن حصاد الأدمغة إلاَ حمل إلى بغداد ، وماينبغ من نابغ في مشرق من الأرض ولا مغرب إلاّ أمّ بغداد .

*****************

          ومضى الفيلم….وبدت صورة بغداد وقد اتشحت بالسواد، ولبست ثياب الحداد.

ولقد ماتت بغداد بني العباس ، وذهب شبابها وامّحت محاسنها، وخربتها أيدي الوحوش البشرية من جند هولاكو، جاءت بهم خيانة الوزير ابن العلقمي فذل الأعزة من أهلها، وانتهك المصون من أعراضها، وذبح علماؤها وكبراؤها وأمراؤها، وأعمل السيف في أهلها أربعين يوما، فبلغ القتل أكثر من ألف ألف (مليون)، وألقيت كتبها في دجلة فاسودت منه مياهها حيال الضفتين أياما، وذهب نتاج العقول، وحصاد العبقريات، وثمرات الأيدي الصناع، وكانت مصيبة المصائب على الإسلام وأهله، وغدت بغداد خرائب وأطلالا .

           لسائل الدمــع عن بغــداد أخبـــار                فما وقوفك والأحباب قد ساروا

          يا زائريـــن إلى الزوراء لا تـفـدوا               فما بذاك الحـمى والدار ديـــار

          تاج الخـــلافة والربع الذي شرفت               به  المعالم قد عــــفاه إقفـــــار

   بل فدوا إليها وأعرضوا عما قال الشاعر فدوا إليها ، وأقبلوا عليها فقد قامت الدار، وعاد الديار.

          ما ماتت بغداد .. إن بغداد لا تموت.

بتصرف من كتاب ( ذكريات الشيخ علي الطنطاوي ) الجزء (8)

أضف تعليق