من الغرائب أنه كانت لي بعض المساجلات الصحفية مع إدارة الطرق منذ عدة سنوات حول موضوع إنشاء الطرق ورصف الشوارع وسياسة وزارة الأشغال في استقطاب ومواكبــة العمران في المناطق الســـكنية الحديثـــة ، حيث أن كاتب هذا المقال قد قُدّر له أن يسكن منذ عام 1996م منطقة قلالي الحديثة ( أو هكذا يسمونها ) . وكانت وزارة الأشغال آنذاك يردون على استفساراتي وكتاباتي بأن المفروض أن يبني الناس منازلهم وبيوتهم ويتوسـع العمران في هذه المناطق الحديثة بحيث يصل إلى نسبة معقولة ثم يأتي دور إنشاء الشوارع ورصف الطرق وتوصيل شـــبكات المجاري ، أي باختصار ( العمران أولاً ثم الخدمـــات ) وكنت أقول حينها أن هذا منطق غريب ، فالخدمــات والطرقــات إنما هي التي تســـتقطب العمران وليس العكس ، ولكنهم كانوا يرفضون ردي ويصــرّون على صحة منطقهم ، أي ابنـــوا بيوتــكم في هذه المنطقة العراء ، خرّبــوا ســـياراتــكم ( لسيرها في الرمال والمطبات ) اشفطوا بلاعاتكم بســيارات الشــفط ، اسـتمروا في ظلام لياليكم ، جاوروا الأنقاض والأوســـاخ ، استنشقوا الأغبرة المتطايرة وتنفسوا هذه الروائح الكريهة واشــبعوا من نسـيمها وإلى أن ينتهي الإعمـار لديــكم حينها سنرصف لكم الطرقــات ونمدكم بالخدمات !!
في كثير من الدول المجاورة نشاهد مناطق شاسعة وممتدة الأطراف غير مأهولة بالسكان ولكنها ممهدة ومبلطة ومرتبطة بشبكات الطرق تنتظر ساكنيها وتستقطبهم من أجل التوسع العمراني واستغلال الأراضي والصحاري بينما عنــدنا في جزيرتنا الصغيرة ، وفي مناطق الكثافة السكانية ذاتها وليست في البحار أو البراري ، والقريبة جداً من مراكز الخدمات وشبكات الطرق يمكن أن تنشأ مناطق نسميها – تجاوزاً – حديثة ولكنها خالية من الحداثة ، فلا يضطر للنزوح إليها واستيطانها إلا من ضاقت بهم الأراضي وتقطعت بهم الحيل ودفعتهم إليها الحاجة ، وما أكثرهم ، ممن قد دفعوا تحويشات أعمارهم وأنفقوا حتى ما وراء ظهورهم وأمامها وسيستمروا يدفعون أقساط ما لحق بهم من قروض وديون لسنوات تطول ولا تقصر وقد يورثونها لأبنائهم من أجل السكن في مناطق توصف بأنها حديثة من مثل قلالي وما شابهها !!
غير أنه من حقنا أن نسأل لماذا لا يطبق هذا المنطق الغريب ( العمران يسبق الشوارع والخدمات ) على جزر أمواج أو دانة البحرين أو … إلى آخره من المشاريع الاستثمارية والسياحية التي نسمع عنها ؟! لماذا ترصف الشوارع وتتسابق الخدمات إلى هذه الجزر والمنتجعات بينما يئن المواطنون من خلو مناطق سكناهم من ذلك ؟! وأيهما أهم مناطق سكن المواطنين أم مناطق سكن الأجانب والسائحين ؟ ولماذا يتم التعامل بمنطقين مختلفين في الإعمار بين المناطق السكنية والمناطق السياحية ؟ ألسنا نقول أن المواطن هو استثمارنا الحقيقي ؟ كلنا يعرف أن هذه الجزر والمنتجعات والدانات إنما هي لغير البحرينيين ، وذلك بسبب استحالة أن يفكر – مجرد التفكير – عموم البحرينيين في تملك شيئاً فيها لفداحة أسعارها .إنه لأمر غريب أن نقرأ في صحفنا المحلية خبراً من مثل ” إنجاز 80% من رصف الشارع المؤدي إلى درّة البحرين ” بينما أهالي قلالي يئنون ويستجدون المسؤولين بالشكاوى والعرائض منذ ما يقارب العشر السنوات لرصف شوارعهم وطرقاتهم فلا تجد شكاواهم إلاّ الصدود والإهمال في حين تتسارع الآليات والميزانيات لإنجاز طرقات وخدمات لمدن لم يسكنها أحد حتى الآن بالرغم من أنهم فيما مضى من الزمان كانوا يقولون للمساكين من أهالي قلالي وشرواهم ” العمران قبل الشوارع والخدمات ” !! أخيراً أرجو ألا يتعجب القاريء إذا قلت أن جلّ ما ورد في هذا المقال قد أخذته من مقال سابق لي حول ذات الموضوع نشرته في نهاية عام 2002م .. ولكن يبدو أننا كرماء أكثر من اللازم مع المستثمرين بحيث يمكن أن نضحي بالخدمات التي يمكن تقديمها للمواطن في سكنه ومنطقته ، ويمكن لهذا المواطن أن يطول صبره ليس بالأسابيع أو الأشهر وإنما ما تشاؤون من السنين .