أدرك تماماً أني لا أملك فطنة أهل المال والاقتصاد ولا حنكة رجال الأعمال والمستثمرين ولا حكمة التجّار ، لكنني – كغيري من الناس – لابد أن نفهم بصورة واضحة ودقيقة وواقعية ( وهو الأهم ) الفرق بين العائد المباشر والعائد غير المباشر أو بمعنى أدق نتوصل إلى الخيط الفاصل بين العائد المادي والعائد الاقتصادي .
فهنالك كثرة من المشروعات يتم الإعلان عن خسائرها والدعم الذي تقدمه الدولة لها ثم لايرضى المسؤولون بوصفها مشروعات فاشلة أو خاسرة وإنما يقولون أنها ناجحة ولها مردودات اقتصادية حتى لو تآكل رأسمالها وتضاعفت أرقام خسائرها واصطفت إخفاقاتها في خانة الملايين . لا نريد أن نستعرض أمثلة على بعض أسماء الشـركات أو المشـروعات التي نقصدها ، ولا نريد أن ندلّل على فشـلها بالأرقـام ؛ فيظهر علينا من يقول عليـكم بما وراء الأرقام بالرغم من أن ألفاظ مثل : ( خسارة ) أو ( عجز ) أو ( دعم ) لا تحتمل كثيراً من التأويلات والتفسيرات .
ولا نريد أن نتحدّث عن فترات الترويج لبعض المشروعات – قبل الشروع فيها- وما يتم ذكره حينها عن فوائدها ومنافعها على الاقتصاد والاستثمار والسوق المحلية والسياحة و… إلخ حتى ظنّ الناس أن أبواباً من الرزق والخيرات ستنهال عليهم بسببها ؛ لكنها ما أن تُطبق أو تُنفذ حتى يغيب الكلام عن أثرها ويتلاشى الحديث عن مردوداتها إلى أن يأتي يوم ما فيظهر للعلن فشل ذاك المشروع أو تردّي أوضاعه أو تزايد خسائره أو صفرية أرباحه ، ومع ذلك يظهر من يقول أنكم ترون عوائدها المباشرة لكنكم لا ترون العوائد غير المباشرة !!
ماذا يفعل المواطن بهذه العوائد غير المباشرة بينما تطحنه الظروف المعيشية الصعبة وتعوزه الحاجة له ولأبنائه وأسرته وتحاصره الديون والقروض من دون أن يشعر بأي طاريء ملموس لتحسين أوضاعه وسويّة حياته من هذه المشروعات والشركات العملاقة التي يتم البذخ عليها بملايين الدنانير انتظاراً لعائد ومردود نخشى أن يصطدم الجميع في يـوم ما بأنه كالســراب الذي إذا اقتربنا منه لم نجده شيئاً ؟
ماذا يمكن أن يفعله المواطنون بما يسمونه بعوائد اقتصادية ومردودات غير مباشرة لمدن وجزر وأبراج يجري إنشاؤها في البرّ والبحر على أيدي بعض المؤسسات والمستثمرين الذين صاروا كالغول يأكل في الأراضي وينتزعها في الشمال كما في الجنوب ، وفي الشرق كما في الغرب بينما هم يجأرون بالألم والحسرة لتنامي أزمتهم الإسكانية دون أن يكون لها حلّ في المنظور القريب إلاّ من بعض الإجراءات وبضع عشرات أو مئات من وحدات إسكانية – تُوزع هنا أو هناك – لا تحرّك ساكناً من قوائم الانتظار لدى وزارة الأشغال والإسكان التي يزيد عدد المسجلين فيها على الأربعين ألفاً غالبهم يسيل لعابهم وهم يشاهدون من حواليهم جزراً ومنتجعات ومشـروعات سكنية واستثمارية ( بالهَبَل ) فيها شقـق وفلل و … إلخ ، وعلى امتدادات واسعة في البرّ والبحر لا( ينوبهم ) منها سوى مطالبتهم بالصبر والمصابرة والرضا بالعوائد غير المباشرة ( السراب ) في حين أن أعمارهم وسني حياتهم تمضي ، وأبناؤهم يكبرون دون أن يحصلوا على المأوى الذي يناسب طموحاتهم ويلبي حاجاتهم ، وباتوا يندبون حظهم وهم يرون هذا الكمّ من المشروعات المليونية الضخمة من غير أن يكون لها انعكاس مباشر وملموس في ما يتمنونه لهم و لأبنائهم وأسرهم .
لقد آن الأوان لاختصار المشروعات ذات المردودات والعوائد غير المباشرة والتوجه نحو تلك المشروعات والاستراتيجيات التي يجب أن يظهر للعيان نفعها وتقيل العثرات وتفرّج الكرب وتقرّ الأعين بأرباحها وإضافاتها على الدخل القومي وتأثيراتها المباشرة على معايش الناس و حاضر أيامهم .