بعد أن نطقت المحكمة بالبراءة : المجتمع أدانني قبل أن تبرأني المحكمة !! تحت هذا العنوان كتب قبل بضعة أيام أحد المسؤولين بإحدى الوزارات في إحدى الصحف المحلية ما يلي : إن حكم البراءة الذي حصل عليه جاء متأخراً وإنه لم يغير من الأمر في شيء لأن التأثير النفسي الذي وقع عليه نتيجة الأزمة التي عايشها أكثر من ثلاث سنوات كان أكبر . وأضاف أنه طوال الثلاث سنوات كنت معتزلاً عن الناس بعد أن لفظني المجتمع ورفضني أصدقائي وتطاول علي بعض الكتّاب واتهموني ونصّبوا أنفسهم قضاة وأدانوني بدون واعز من الضمير ولا مراعاة لشرف المهنة قبل أن تقول المحكمة كلمتها وشاركوا في خراب بيته وتدمير أسرته إلى أن قال القانون كلمته !!
وكانت المحكمة الكبرى الجنائية قد برأت مؤخراً هذا المسؤول من إحدى التهم التي استغرق التحقيق والتقاضي بشأنها كل هذه الفترة .. في الحقيقة استوقفني هذا الخبر لناحيتين : أولهما : إن أعراض الناس وسمعتهم لابد وأن تبقى مصونة لاتتعرض لنزقات أو أهواء أو تصفية حسابات ، سواء في الصحف أو غيرها ، وهي مباديء يتحمل القائمون على وسائل الإعلام المختلفة مسؤولية المحافظة على تطبيقها في واقع إصداراتهم . ثانياً وهو الأهم : ضرورة إعادة النظر في تطبيقاتنا الفعلية للقاعدة القانونية التي تقول ” إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ” فعلى ما يبدو أن هذه القاعدة قد تم عكسها بحيث صارت ” المتهم مدان حتى تثبت براءته “
فصاحبنا ، هذا المسؤول ؛ بمجرّد تحويل قضيته المتهم فيها إلى المحاكم تم إيقاف راتبه ومدخوله الشهري ! واستمرّ راتبه موقوفاً عنه لمدة تزيد على السنتين ، وهو لم تزل قضيته منظورة أمام القضاء . وللقاريء الكريم أن يتصور أن أي موظف يتم توجيه أي تهمة له ثم تنتقل قضيته في أروقة المحاكم وتتنقل بين جلساتها وإجراءاتها ودرجاتها لمدد تحسب بالسنوات وليس بالأيام والأشهر ، وطوال هذه المدّة يكون هذا الموظف المتهم بدون راتب ، بمعنى آخر يكون عليه – وهو مازال متهماً – أن تتراكم عليه الأقساط والقروض وأن تضيع أسرته وعياله وألا يدفع إيجار مسكنه وأن تتعثر حياته ، وبمعنى آخر أيضاً يخترب بيته . وهذا الخراب والضياع الذي تعرّض له قبل ثبوت إدانته لاشك أن حكم البراءة الذي يصدر فيما بعد لايعوضه حتى لو تم رد كامل رواتبه الموقوفة عنه خلال السنوات الماضية .
على أن هذا المسؤول قد لا يكون وحده هو الذي تعرّض لمثل هذا الأمر ، فهنالك في هذه الأيام موظف في الجمارك وآخر في وزارة العمل لازالت قضيتهما قيد التحقيق ( لازالا متهمينً ) ومع ذلك تم قطع راتبهما !! ومن يدري ربما هنالك آخرون ينتظرون أحكام القضاء في تهم موجهة إليهم لكنهم لا يعيلون أسرهم ولا يمارسون حياتهم على النحو الذي كانوا عليه .
إنها فعلاً مفارقة في إجراءاتنا لقاعدة ” المتهم بريء حتى تثبت إدانته ” نأمل من ديوان الخدمة المدنية ووزارة العمل أن تتدخل لتصحيح تطبيقها على أرض الواقع حتى لا يُصار إلى ظلم شخص وتضييع مسـتقبله وتشتيت أفراد أسـرته لا لشيء سوى أنه متهم ، مجرّد متهم .