راصد

محمية العرين .. نموذجاً للسياحة المطلوبة

كانت لي قبل أكثر من ست أو سبع سنوات زيارة إلى محمية العرين ، وكنت حينذاك أحسبها كمنتجع سياحي وثقافي يمكن أن يقصده المواطنون والمقيمون يروّحون فيه عن أنفسهم ويرفّهون فيه عائلاتهم . غير أن المحمية لم تكن آنذاك سوى قطعة أرض قاحلة إلا من بعض الأشجار ، ولم يكن فيها سوى بعض الحيوانات والطيور ، وكنّا نظن أنه هكذا حال المحميات ولا نتوقع منها أكثر من ذلك . أو بالأصح لم يدر في مخيلتنا أن الاهتمام السياحي المتعارف عنه لدينا يمكن أن يفكّر في تحويل هذه المحميات كمثيلاتها في بلدان العالم .

ولكن في يوم الخميس الماضي كانت لي زيارة أخرى لذات المحمية ، وأكاد أن أقول أنه لم يبق من المحمية التي زرتها سابقاً سوى الاسم ، فقطعة الأرض الجرداء تحوّلت إلى حديقة خضراء وغنّاء تمخر بين جنباتها المياه وتعزف النوافير هديراً مؤنساً للزوار ، وبين الأشجار والنباتات استراحات وجلسات ، وقاعة عرض سينمائي وكافيتريا ومصلّى ، واهتماماً بنظافتها والمحافظة على طراوتها وحيوتها ، وودّاً للزوار وحفاوة على الطريقة البحرينية ، تجسدت في المرشد السياحي خليفة اللحدان وطاقم الاستقبال. أما الحيوانات والطيور فهي أنواع وأشكال ، يمكن أن تكون ملهاة للأطفال و(فرجة) ويمكن أن تكون ثقافة وتوعية للكبار، ويمكن أن تكون مجال بحث ودراسة للمتخصصين . في الحقيقة من أراد أن يقضي وقتاً ممتعاً ومفيداً في البحرين يجب ألاّ يغفل محمية العرين من أجندته .

     ينبغي الالتفات مجدّداً لأهمية الترويج للسياحة النظيفة وفتح المجال لأنماط سياحية أخرى ستكون مع العزم الصادق أكثر نفعاً وأجدى مردوداً ، مالياً ومجتمعياً ، ولازلنا نقول أن البحرين تمتلك من الميزات الطبيعية التي حباها الله بها ما يمكن أن تستغل أفضل استغلالاً ، ويمكن توجيهها وجعلها مراكز جذب واستقطاب بدلاً من تركها هكذا عرضة للإهمال والنفايات كالبحار المحيطة بنا من كل صوب أو الحدائق الكبيرة وأيضاً الصغيرة التي تحوّلت للأسف إلى مقاهي للشيشة  بعدما يبست أغصانها وأعوادها!

 ولا ضير أيضاً من الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي حوّلت أراضيها إلى جنّات من الجمال والبحار والاخضرار واستقطبت الآلاف ممن ينشدون الراحة والاستجمام أو التسوّق أو العلاج أو الحدائق أو الاستكشاف والتعرف على الآثار والاطلاع على التراث أو غيرها من المجالات التي لن يعدم القائمون على السياحة في بلدنا الحبيب طريقة في الوصول إليها.

قبل أكثر من عام طلب منّي أحد أصدقاء دراستي الجامعية من دولة خليجية القيام بالحجز له ولعائلته في أحد الفنادق حيث سيتوقف بالبحرين لمدة يومين في طريقه لأداء مناسك العمرة . وخلال نصف ساعة مررت على خمسة فنادق – لكثرتها وتقاربها بالمخالفة للمواصفات والاشتراطات العالمية – في أحد شوارع العاصمة ، قيل لي صراحة أنها لاتصلح للعائلات واكتشفت أن هذه الفنادق إنما هي بارات ومواخير وملاهي ليلية ، وإنّ روّادها نوعيات معينة من السيّاح العزّاب الذين لايأتون إلاّ لقضاء وممارسة أشياء مشبوهة ، ولكم أن تتصوّروا أن هذا الاستثمار السياحي الذي يبكي عليه البعض يصعب عليه استقبال العائلات وتسكينها !

بالفعل نحتاج إلى نوعيات من القيادة والإدارة لبرامجنا ومشروعاتنا السياحية من مثل سمو الشيخ عبدالله بن حمد بن عيسى آل خليفة رئيس الهيئة العامة للمحافظة على الحياة الفطرية وأمينها العام الدكتور إسماعيل المدني ، هذه الهيئة هي المسؤولة عن محمية العرين أو بالأصح عما وصلت له محمية العرين .

أضف تعليق