نأسف كثيراً حينما تتناهى إلى أسماعنا ألفاظ لصفات وسلوكيات طبيعية ومفترضة في عموم الناس وكأنها قد صارت استثناء ، أو مدعاة للمديح والإطراء . وكأنما عكسها هو الدارج والمنتشـر في حياتنا ! ومن ذلك ما نسمعه – على سـبيل المثال – ” فلان نزيه ” كصفة في معرض توصيفنا لوزير ما أو وكيل ما أو مدير ما أو مسئول ما أو … إلخ ، وليست كنظام عام ، أو شأن أخلاقي طبيعي نفترض توافره في هذه الشخصيات من الأصل دونما حاجة لذكره وامتداحه كأمر استثنائي على نحو ما نقرأه ونسمعه في بعض الأحيان . (بالمناسبة أحد محلات العطور المشهورة عندنا أنتج عطراً رائعاً أطلق عليه تسمية ” نزيه ” ).
لعلّ السبب في ذلك هو أن “الفاسد” أصبح هو الدارج والمتعارف عليه ، وأصبح النزيه هو المستثنى الذي يندر وجوده ، وبالتالي يستحق الإشادة والإطراء والإعجاب به. بينما العكس هو الذي يجب أن يكون أو على الأقل نرجو له أن يكون . وقد يتعدّى الأمر عند بعضنا حينما نستنكر على فلان أو علاّن من الناس نزاهته ، فنعجب : كيف لم يستفد من وظيفته أومنصبه في الحصول على أراضٍ أو أموال أو لم ير أحد تغيّر مستواه الاجتماعي ورفاهيته أو غير ذلك مما يراه الناس ويلحظونه في الفاسدين الذين لا تخفى آثار فسادهم ومعالم استغلالهم لمناصبهم في ما يسكنون ويركبون ويلبسون و… إلخ . وقد يزيد من الطين بلّة حينما يرتقي هؤلاء الفاسدين سلالم الترقيات ويتخطّون معاييرها بينما يعجز أصحاب النزاهة والكفاءات عن ارتقاء تلك السلالم وتجاوز شروطها وضوابطها .
ولا يقتصر هذا الاستثناء الغريب على ماله علاقة بالكسب المالي أو المادي وإنما امتدّ ليشمل قوى وفعاليات وكتّاب وجمعيات تراها تنافح عن النزاهة وتتصدّر قوافل المدافعين عنها في مواقف معينة ثم تذبح تلك النزاهة وتتخلى عنها في مواقف شبيهة لا تختلف عن الأولى ، لا لشيء سوى بضع مصالح شخصية أو طائفية . وقد يكتب أو يصرّح أو حتى يصرخ أحدهم ضد فساد ما ويصمد في موقفه فتظنه أميناً نزيهاً يدافع عن حقوق وينهض بمسؤوليات لكن سرعان ما تكتشف أن ما يربطه بذاك الموقف شيء آخر بعيد تماماً عن الأمانة والنزاهة .
في الحقيقة من كثرة ما نسمع من قصص أو حكايات أو إشاعات نخشى ألاّ تبقى النزاهة مجرّد استثناء نشيد بها كلّما وجدناها في بضع شخصيات ومناصب ، بل إنها قد تكون في طريقها إلى الانقراض أو مهدّدة بالانقراض وتحتاج إلى حماية ورعاية صادقة تكسبها القوّة وتمدّها بالاستمرار وتعينها على الصمود أمام الضغوط والإغراءات وتمنع عنها أغراض النفس وأطماعها . والخوف أن يُصار في المستقبل إلى اللجوء لإنشاء محمية للنزاهة على غرار المحميات التي يتم إنشاؤها للمحافظة على بعض الكائنات الحيوانية أو النباتية من الانقراض .