قبل نحو ستة عشر عاماً تقريباً ، وبالتحديد في صيف عام 1988م دخل كاتب هذا المقال امتحان تحريري أجرته جريدة أخبار الخليج بإشراف الأستاذ الفاضل لطفي نصر، وذلك لمجموعة من المتدربين والراغبين في العمل في أقسام التحرير الصحفي المختلفة فيها .
وكان الامتحان يتكون من أربعة أسئلة مجموع درجاتها (100) درجة ، ثلاثة منها أسئلة مقالية تتعلق بصياغة أخبار أو تقارير أو عناوين وما شابهها ، كان لافتاً أن هذه الثلاثة الأسئلة تحصد نصف مجموع الدرجات المقررة للامتحان ، أي عليها (50) درجة فقط بينما ال( 50) الأخرى تم تخصيصها لسؤال صغير جداً قياساً بالأسئلة الأخرى ؛ وهو : ماهو الرقم الموجود على باب الغرفة التي أنت بداخلها الآن ( غرفة الامتحان آنذاك ) ؟ وعلى ما أذكر أن التنويه المرفق كان ينص ( إذا لم تكن متأكداً من الرقم لاتكتب أي رقم ) .
كان وقع هذا السؤال كالصدمة علينا ؛ فهو لم يكن متوقعاً وليس في حسبان المذاكرة والاستعداد المسبق للامتحان ، فضلاً عما يحمله من استفزاز يتمثل في رفض التخمين وكذلك تخصيص نصف درجة الامتحان للإجابة على سؤال غريب ليس له علاقة بالصحافة أو وسائل الإعلام ( أو هكذا كنَا نظن آنذاك ) .
ولم يكن يدر في خلدنا أن هذا السؤال وطريقته إنما يعبر عن خط ومدرسة أخبار الخليج التي احتفلت قبل بضعة أيام بصدور العدد رقم ( 10000) ، ذلك الخط الذي يعتمد الدقة منهاجاً في نقل المعلومات ونشر الحقائق بحيث يطلبون من مجموعة مثل مجموعتنا أن تفرط في (50%) من درجة الامتحان إذا لم يكونوا متأكدين من رقم باب غرفة الامتحان ويمنعونهم حتى من التخمين !!
قبل نحو عام عندما تشرفت بالعودة للكتابة في أخبار الخليج وجهني رئيس تحريرها الأستاذ أنور عبدالرحمن وذكر لي بأن هذه الجريدة ليست للمزايدات أو المهاترات أو تصفية حسابات شخصية أو طائفية ولاتنجر إلى معارك ، ونصحني بأن أعتمد في بسط آرائي على المعلومات والبيانات مؤكداً أن القراء لاينتظرون الآراء بقدر حرصهم على معرفة المعلومات والتزود بالبيانات .
ويبدو أن هذا الخط لايزال صامداً وراسخاً في أخبار الخليج ، نهج الاتزان والرصانة والدقة ، ولم تتلوث بأمراض الكتابة الصفراء التي طفحت على السطح ، ولم تغرها منافساتها في سوق النخاسة والسب والشتم والتجريح ونشر البذاءات الطائفية ، ولم تعتمد على التلفيق والتحريف في أخبارها وتقاريرها فتصيغها وفق ماتقصده من أهداف وأمنيات وتسعى إليه من أجندات ، ظاهرة أو باطنة .
ولاعجب بعدئذ أن تحصل جريدة أخبار الخليج على هذه المكانة المرموقة بين الصحف حسبما عبَر عن ذلك صاحب السمو رئيس الوزراء الموقر وعدد من رجالات البلد إبَان تهنئتهم لها بمناسبة صدور العدد (10000) ونتمنى أن تحافظ جريدة أخبار الخليج على هذا المستوى الراقي .