يخبرني أحد الطلبة الدارسين في إحدى الدول الغربية أن بعض الإجراءات التي تصادف قيامهم بها عن طريق الاتصال بالجهات الرسمية هناك ، عادة ما تكون عند مقارنتها بما يجري عندنا بمثابة المعجزة أو يمكننا تصنيفها ضمن بضع عجائب الدنيا ! دقة مواعيد ، احترام والتزام ، جودة وإتقان ، تعامل وأخلاق ، وأشياء أخرى كثيرة تجعلنا منبهرين و( متسمّرين ) نتأسف ونندب حظنا العاثر ، ونتساءل : ما الذي ينقصنا عنهم حتى ينشأ بيننا وبينهم هذا الفرق الشاسع ؟!
يقول هذا الطالب إنه احتاج هناك في إحدى المّرات للاستئذان أو طلب رخصة لعمل شيء ما ، ذهب إلى جهة رسمية في منطقته ، ملأ استمارة معينة ، أخبروه أنه كان يمكنه الحصول عليها عبر ( النت ) من دون مراجعتهم ثم أخبروه أن الرد سيأتيه من خلال بريده الإلكتروني حتى لايتحمّل عناء الرجوع إليهم وحدّدوا له مدة ثلاثة أيام لاستلام الرد ( الكترونياً ) . يقول الطالب في ثالث يوم اتصل به مندوب من هذه الجهة وأبدى اعتذاره الشديد لأنه توجد في استمارة الطلب معلومة لم يتمكنوا من فهمها بدقة بسبب الفرق بيني وبينهم في استخدامات ألفاظ لغتهم ، وأنهم يعتذرون لأنه كان المفترض أن يتأكدوا ويسألوا عنها عندما قمت بملء الاستمارة في البداية عندهم ، ووعدني بعد أن أوضحت له المعنى أنهم سيبذلون قصارى جهدهم لإرسال الرد اليوم في بريدي الإلكتروني أو في بداية صباح اليوم التالي . ولم يغلق الهاتف إلا بعد أن أحرجني من كثرة اعتذاره حتى أني من فرط انبهاري بهذه المعاملة الحضارية الرائعة لا أتذكّر ماذا قلت له حينها !!
لم يقف الأمر عند هذه الحدود وإنما عاد هذا الموظف فاتصل بي في اليوم التالي ليتأكد من استلامي الإلكتروني للرد ويكرّر اعتذاره عن التأخير ( لاحظوا أن التأخير يوم واحد ) .
يقول صاحبنا أن هذه القصة حصلت له قبل أربع أو خمس سنوات في إحدى الدول الغربية. وشاءت الأقدار أن يعيش هذا الشخص هنا مع أحد أقربائه قصة مراجعة لاستخراج رخصة معينة ، تفاجأ أن الرخصة المطلوب استخراجها لابد وأن تمرّ على خمس جهات رسمية !! أي مجموعة من الرخص قبل الرخصة النهائية !! وكل رخصة لها متطلبات وشروط ، وعدم حصولك على واحدة من هذه الرخص قد تلغي الترخيص بكامله لمشروعك حتى لو كنت قد استوفيت سائر شروط ومتطلبات بقية الرخص السابقة ودفعت لها ما دفعت من أموال وتكاليف !! وكل جهة ترخيص تقول : نفسي نفسي وماعلي من الرخص التي حصلت عليها قبلي !! يقول كنت أسمع عن مقدار السوء لكني لم أتصوّره بهذا القدر ، فالمعاينة غير السماع .. باختصار عليك أن تقدّم الطلب وتكون أمام عدّة خيارات : أولها : أن تنساه لأن موعد الرد عليه ضمن الغيبيات التي ليس في مقدور أحد العلم بها أو حتى التنبؤ بذلك . وثانيها : أن يكون ضمن أجندة برامجك الأسبوعية وأغلب الأحيان ( اليومية ) مراجعتهم واستكمال ما يكتشفون نقصه وكذلك الانتقال من محطة إلى محطة ومن وزارة إلى أخرى دون احترام لشيء اسمه الوقت أو عناية بأعصاب المواطن وجهده ومعاناته وتقدير لإنسانيته ، ودونما معرفة بأن الإدارة الناجحة في العالم الآن تقوم على أسس تبسيط الإجراءات ودمج المحطات واختصار المراجعات ، بل هنالك عملية اجتاحت العالم تُسمى ” محطة النقطة الواحدة ” أو ” الخدمة الشاملة ” وبالطبع من الصعب أن نقول – في ظل ذلك – عليكم بالانترنت والخدمات الإلكترونية. وثالث هذه الخيارات أن تحتسب طلبك عند الله فتلغيه حفظاً لوقتك واحتراماً لنفسك ووقاية لأعصابك ثم ترفع شكواك ودعواك إليه سبحانه وتعالى أن يقيّض لسائر وزاراتنا الخدمية من يستطيع تطبيق ذات النظام الذي صادفه صاحبنا مع جهة خدمات رسمية في إحدى الدول الغربية قبل أربع أو خمس سنوات حيث حددوا لإنجاز معاملته ثلاثة أيام وقالوا له إياك أن تراجعنا لأنك ستستلم الرد في بريدك الإلكتروني ، ولما تأخروا عنه يوم واحد ، مجرّد يوم واحد !! اعتذروا له مرتين !! اللهم إنا لا نسألك مثلهم ولكن – على الأقل – شيء منهم ..