راصد

مرمطة (2-2 )

بالفعل تابعت قصة استخراج هذه الرخصة ، وأخشى أن أسرد تفاصيلها خوفاً من ( زعل ) البعض لكن الأمر سيء جدّاً لاتستطيع الألفاظ أن توفيه حقّه مهما تم استخدامه من كلمات مثل : بيروقراطية ، جمود ، تأخير ، برود ، إهمال ، تعسّف ، تعقيد ، تكرار ، تداخل ، عدم تنسيق … إلخ . أيضاً أخشى أن أقول أنه من خلال هذه المتابعة اكتشفت أسباباً لعدة ظواهر ومشكلات ، منها :

1-  أن كثرة من البحرينيين من البسطاء وذوي الدخل المحدود أو حتى المتوسط حينما يقررون دخول عالم التجارة والاستثمار تراهم ينحصرون في مجالات محددة بعينها – قليلاً ما يتجاوزونها – وهي : فتح بوتيكات أو برادات أو بقالات أو خبّاز أو محلات عبايات أو محلات سندويشات أو بيع سمبوسة ( وما حواليها ) أو يفتح مقاولات ترميم أو صباغة أو تركيب جبس أو محل بيع كنافة ( موضة جديدة ) أو يقوم يبيع ويشتري في ( الفيز ) . وحسب اعتقادي أن السبب في ذلك يعود إلى أن المشروعات الأكبر من ذلك يحتاج الترخيص لها لرحلة من المعاناة والعذاب في ردهات الوزارات مما قد لا يحتمله نَفَس كثير من البحرينيين البسطاء والعاديين الذين لا يستطيعون أن يخاطروا بأموالهم ومدخرات أعمارهم لتكون في مهبّ – ربما – أمزجة وأهواء لعدة أسابيع وأشهر ، تُستنفذ خلالها كل طاقتهم وأعصابهم فضلاً عن جهدهم وصحتهم ووقتهم الذي يضيع نهاره – طوال مدة لايعرف نهايتها إلاّ رب العالمين – في المراجعات والسؤال والاستفسار عن طلبهم !

2- سبب الازدحام في الوزارات الخدمية ، طوابير وأرقام ، ومواقف سيارات مزدحمة ، ومناضد ومكاتب تغصّ بالأشخاص و… إلخ : حيث أن جزءاً كبيراً من المراجعين إنما هم زبائن شبه يوميين يتابعون ويستعطفون الموظفين بأن يحركوا معاملتهم من مكتب إلى آخر أو يترجّونهم لطباعة رسالة أو إفادة من بضع أسطر عن معاملتهم  أو يستفسرون عن موعد الانتهاء منها ، إذ لا يوجد وقت ومواعيد محددة للإنجاز ! ويستتبع ذلك أن ترى أغلب الشوارع المؤدية لوزارات ومؤسسات الخدمات مزدحمة طوال النهار ، كلها وقت ذروة ، لافرق بين بداية الدوام ونهايته . وبالطبع مواقف السيارات أمام هذه الجهات مأساة أخرى تفوق الوصف !

3- هذه الأجواء من البيروقراطية والتأخير وكثرة المحطات تكون في الغالب مدعاة لاستخدام الرشاوى وبيئة مناسبة لـ ( دهان السير ) خاصة إذا كان من شأنها اختصار مدد الانتظار والمراجعات وتكفي صاحب الطلب مشقة و( مذلّة ) السؤال والاستفسار والأمزجة والمراجعة شبه اليومية والأسبوعية أو التنقل وراء طلبه من إدارة إلى أخرى ومن وزارة إلى مثلها وفق آجال ومدد غير معروف نهايتها .

4- وأمام هذا التأخير والعناء ، ربما يصعب أن تجد صاحب معاملة يتحرّك لوحده ، فقد لاتنتهي معاملته ! وإنما لابد من الاستعانة لتسريع أو تمرير معاملته بـ ( واسطة ما ) أو معونة أحد ( المعارف ) في هذه الجهة أو تلك .

في الحقيقة من رأى ليس كمن سمع ؛ ولذلك شكل لي متابعة استخراج هذا الترخيص إحباطاً كبيراً لما كنت أقرأه من تصريحات عن الجودة والتميز وتبسيط الإجراءات وتسهيلها  والخدمات الإلكترونية في القطاع الحكومي وما إلى ذلك من أخبار وتقارير يصعب صمودها في واقع التجربة والمعاينة الشخصية . ولذلك أقترح على الخبراء والمستشارين والمسؤولين العاملين في مجال النهوض بإجراءات القطاع الحكومي والارتقاء بإنجازه وإكسابه التميز أو الجودة  أن يعيشوا في أجوائه الحقيقية ويتابعوا إجراءاته من خلال وسطاء عبارة عن مراجعين حقيقيين لديهم طلبات ومعاملات ، ولا يكتفوا بالزيارات المنظمة مسبقاً التي يتم فيها تقديم عروض ( برزنتيشن ) تبين أن الأمور كلها تمام في تمام بينما واقعها يختلف تمام في تمام عما هو موجود في هذه العروض .

أضف تعليق