راصد

مزّقت أنياط القلوب

أحسب أن عدداً من المستمعين الكرام للبرنامج الإذاعي ” صباح الخير ” في صبيحة يوم الأثنين الماضي قد تقطعت أنياط قلوبهم وتهتّكت أفئدتهم أو مُقل عيونهم حزناً ودموعاً عندما سمعوا تلك الأرملة الظاعنة في السن ، وهي تبكي وتستجدي عبر الأثير من ينقذها من محنتها ويوفر لها ولأبنائها شقة أو غرفة تحتضنها بعدما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت . فوزارة الإسكان ترفض منحها الخدمة الإسكانية لأنها لا تملك مصدر دخل يمكن أن يحفظ للوزارة حقها في التكلفة و( أكثر ) وصاحب الشقة التي يسكنونها يهددهم بدفع الإيجار أو طردهم منها ، ليس لديها عائل أو أي مصدر دخل . طرقت أبواباً كثيرة ولم تجد إلاّ أن تستجدي وتتسوّل وتستثير النخوات والشهامات من خلال برنامج إذاعي صباحي صار من الخطأ القبول باستمرار أن يأخذ أدواراً ومهاماً ليست له ولاتدخل ضمن اختصاصه لولا أن هنالك خللاً وقصوراً في أجهزة الدولة ومؤسساتها في التعامل مع المواطنين واحتياجاتهم أفضى إلى أن يكون النشر الصحفي أو الإذاعي طريقة مثلى أو فضلى لحلحلة ومعالجة مشاكل وقضايا المواطنين . مع كامل احترامي وتقديري وشكري لمقدّمي ومعدّي برنامج صباح الخير الإذاعي .

فمن المفترض أنه في دولة المؤسسات والقانون توجد إدارات للعلاقات العامة وأنظمة للشكاوى والتظلمات وأقسام لخدمات الزبائن والمراجعين وفوقهم رؤساء ومدراء ووكلاء مساعدين ووكلاء ووزراء من الصعب القبول بالقول أن كل هذه الإدارات والمستويات الإدارية والقيادية تبقى عاجزة أمام استقبال المراجعين ومعالجة الشائك من قضاياهم والرد على استفساراتهم والاستجابة لطلباتهم والرحمة بأحوالهم ، وبالتالي لا يُلتفت إلى مأساتهم أو حجم معاناتهم وعوزهم إلاّ حينما تنشر الصحافة المحلية عنها أو يبثون شكواهم في البرنامج الإذاعي الصباحي ( صباح الخير ) أو ما شابهها من وسائل النشر والإعلام ، وسواء كانت مشكلتهم تتعلق بالمرض أو السكن أو الفقر أو غيرها من قضايا ومشكلات ، يلفّ أصحابها بها على جميع الجهات و( يتمرمطون ) ويطرقون ما شاء لهم من أبواب تلك الوزارات والإدارات والأقسام التي قد لا يرون فيها إلاّ الصدود والمماطلة والتأجيل المفضي إلى اليأس والإحباط . ثم لا تلبث أن تنفتح لهم حين النشر الإذاعي أو الصحفي كل تلك المغاليق وتتحقق الردود والاستجابات التي كان يُفترض أن تتم وفق قنواتها وأماكنها وآلياتها الطبيعية في الوزارات والمؤسسات والهيئات .

ومن المفترض في دولة المؤسسات والقانون أن تكون مكاتب ومجالس المسؤولين مفتوحة للمواطنين ، تسعهم صدورهم وتحملهم مُقَل عيونهم ، يسمعون منهم مباشرة ، وجهاً لوجه ، وليس عبر الهاتف أو أثير ( الراديو ) ويلتقون بهم دونما حاجة لوسيط أو بطانة نفاق وخراب بين الناس والمسؤول ، يعرضون مشكلتهم ويطرحون رأيهم بكل شفافية واطمئنان إلى أن من يتكلمون أمامه رجل مخلص ومنصف وصدوق و ( خدوم ) تم وضعه في هذا المكان من أجل خدمتهم والوقوف إلى جانبهم ، ليس تفضلاً أو تبرعاً أو كرماً منه وإنما هذا من صميم عمله ومتطلبات أدائه لوظيفته ومقتضيات تكليفه القيام بواجبات منصبه ، إرضاء لربّه ولنفسه وضميره وخدمة لوطنه وقادته وحكومته.

في الواقع ؛ من المسؤول عن ( تمرمط ) هذه الأرملة المسكينة ؟ ومن الذي دفعها لتسأل عن حاجتها وتستجدي الرأفة والرحمة بها وبأبنائها ، وتنهمر أنّاتها ودموعها على هذا النحو ، عبر الأثير في صورة قاسية وغير مناسبة ، لاتليق بكرامتنا ، ولا بكرامة هذه الأم والأرملة التي ما كان لها أن تلجأ إلى ذلك لو كانت هنالك آليات حاسمة ونافذة تتعامل مع هذه الحالات الإنسانية بالغة الصعوبة ، تتضاءل أمامها البيروقراطية وتُختصر إزاءها الإجراءات وتُقصّر المسافات ، ولا تترك أية فرصة للحطّ من كرامتها والزجّ بها في أتون التسوّل والاستجداء ، وتمزّق أنياط قلوب مستمعيها عبر موجات وأثير الفضاء الواسع بينما كان يُفترض أن يسمعها المختصّون وترقّ لحالها أفئدتهم ويستجيبون لها في مكاتبهم ، داخل وزاراتهم ومؤسساتهم خاصة بالنسبة للفقراء والمعوزين والأرامل والأيتام ، فهم من أوصانا بهم عظيم هذه الأمة ، المصطفى صلى الله عليه وسلّم ، بقوله : ” أغنوهم عن السؤال ” .

أضف تعليق