راصد

من المسؤول عن الخلل في السياحة ؟!

لا أحد يعرف بالضبط الأسباب التي تحول دون أن تكون البحرين بلداً سياحياً تشد إليها الرحال وتكون محط أنظار الزوار وبؤرة استقطاب السواح فضلاً عن أن تكون ملجأ ومنتجعاً لأبنائها والمقيمين فيها الذين سنة بعد سنة تزداد الرغبة عندهم للهروب من البحرين والاستمتاع في العواصم والمدن الخليجية المجاورة التي أصبحت متنفساً للعائلات الخليجية ومنها العائلات البحرينية التي لاتجد في البحرين إلا ماترونه من سواحل فقدت حيويتها وزرقتها ونظافتها وحدائق بالية وشحيحة وأسواق ذات أسعار حارقة وباهظة وفنـادق لايرتاد أغلبها إلا زوار لأغراض المتعة المحرمة . وكان لافتاً للانتباه خلال إجازة عيد الأضحى المبارك أن البعض قد صبَ جام غضبه حول ما آلت إليه السياحة على التشدد والتزمت الاجتماعي وزادت المطالبة من قبل البعض ( إيَاهم) بأن يرفع الإسلاميون أيديهم عن إعلان الوصاية على المجتمع، وأن لايتدخلوا في فرض مرئياتهم وأفكارهم على سلوكيات الناس ورغباتهم ، وأن يتركوا للفرحة سبيلاً للدخول على المواطنين والمقيمين ، وأن يرفع النواب أيديهم عن السياحة حتى يمكنها أن تستقطب السياح والمستثمرين وأن … إلخ .

 ولكن لماذا نسمي الأشــياء بغير أسمائها ؟! ماهي الحالة التي يجب أن تكون عليها هذه السياحة حتى نبعد عنها وصف التزمت الاجتماعي والتراجع الحضاري ؟ هل تنظيف السياحة من الرخص والابتذال والقضاء على الرذيلة والنخاسة وحماية المجتمع من ظواهر التفسخ والانحلال والمطالبة بفتح المجال للسياحة العائلية وأنواع أخرى من المجالات السياحية هو المقصود بالتزمت والتراجع ؟ أتمنى أن يكون الكلام بشكل أوضح وأفصح .

في الحقيقة لا دخل للإسلاميين ولا للنواب فيما آلت إليه السياحة في البحرين ؛ إنما الإهمال وسوء التخطيط عبر السنوات الطويلة الماضية عن استغلال واستحداث بنية لمقومات سياحية صحيحة والاعتماد فقط على أن الانطباع العام للسياحة الناجحة إنما هي فيما هو سائد ومنتشر من شتى أنواع السياحة الهابطة ، وأن أي محاولة لإيجاد أنواع أخرى من السياحة هي مغامرة غير مأمونة العواقب ومحفوفة بالمخاطر والمحاذير والخسائر .  فمثلا ً مجموعة من رجال الأعمال البحرينيين تدارسوا قبل أعوام قليلة فكرة إنشاء مستشفى خاص على أرض المملكة تضم فيه كفاءات وخبرات طبية على مستوى عال ومتميز من مختلف أنحاء العالم بحيث يستقطبون في هذا المستشفى أفواج المواطنين التي تنشد العلاج في دول أخرى ، ويسهمون بمستشفاهم هذا في دعم صناعة السياحة العلاجية ، ولكم أن تسألوا عن سبب قيام مؤسسات مصرفية من خارج البلاد بإقراضهم في حين أحجمت عن ذلك بنوكنا المحلية وهي التي تعطي قروضاً حتى لتمويل الرحلات والعطلات !!

أعتقد أن مؤسسات القطاع العام والخاص في حاجة إلى إعادة حساباتها وأن تتبنى مسألة تحويل مايوجهونه من انتقادات ومايطرحونه من أمنيات إلى مشروعات على الأرض ، ولا بأس أن تخسر بعضاً من الأرباح السريعة في مقابل تحقيق استقرار اجتماعي وسياحي من أوجه مشروعة ومرغوبة ، هي في الغالب على المستوى البعيد ستفوق أرباحها أضعافا مضاعفة عما تدرَه البارات والحانات والمراقص وما شابهها .

على أن الأمر يحتاج منا هنا أيضاً إلى أن نسأل أنفسنا بصدق : من هم الذين يريدون فرض وصايتهم على المجتمع ؟! الإسلاميون أم هؤلاء ( المثقفين )؟ في اعتقادي أنه على هؤلاء المثقفين أن يتواضعوا قليلاً، ويتحركوا مساحة إلى الوراء أو في أي اتجاه بعيداً عن مركز الصدارة والتوجيه حيث وضعوا أنفسهم دون أن يرشـحهم أحد لقيــادة المجتمع ، واستلام مهمة التوجيه والتنظير فيه !! يجب عليهم أن يعرفوا أن المجتمع الذي يخشون عليه من الوصاية مجتمعاً مسلماً محافظاً وليس مجتمعاً غربياً في بريطانيا أو أمريكا أو فرنسا أو روسيا أو حتى في جزر الوقواق ! وعلينا أن نعي هذه الحقيقة ونسلم بها وألا نخلط الحقائق بالأوهام ونجعل من كتاباتنا كأننا أوصياء على الشعب دون أن تتوفر فينا شروط الوصاية ومقومات الزعامة والسيادة ، وأن ندرك أن الناس فعلاً يريدون السياحة وينشدون المتعة ويسعون للترفيه ، بل ويلحَون على ذلك ، ولكن شتَان بين سياحة وسياحة ، وعليهم أن يبحثوا عن أسباب حقيقية وموضوعية لانحسار السياحة وترديها ، ومن هي الجهات المسؤولة فعلياً عن عدم تشجيعها ودعمها وتمويلها وقبل ذلك التخطيط لها . 

في كثير من المجتمعات المتقدمة التي – للأسف الشديد- لا نأخذ منها إلا أسوأ ماعندها يحرصون على إنشاء مؤسسات ومراكز لقياس الرأي العام ومعرفة توجهاته ، حتى تكون أهداف الرسالة الإعلامية واضحة ، ومعالم جهة الاستقبال معروفة ومحددة ، بينما عندنا الأمر كما ترون وتشاهدون وتقرأون .

أضف تعليق