راصد

من قصص الخيال العربي ماهر عرّار.. نموذجاً

ماهر عرار،  شخص كندي من أصل سوري يبلغ من العمر (34) عاماً ويعمل مستشارا في مجال الاتصالات، قامت السلطات الأمريكية باحتجازه في مطار جون كيندي بنيويورك في 26 سبتمبر عام 2002 بناء على معلومات غير صحيحة من الشرطة الكندية تفيد أن ماهر صاحب اللحية الطويلة مسلم متطرف له أنشطة مرتبطة بتنظيم القاعدة . واعتقل ماهر عرار  عندما كان يغير رحلته الجوية خلال عودته من تونس كندا، وظل معتقلا 12 يوما. وفي الثامن من أكتوبر 2002 أخذ من زنزانته في منتصف الليل ونقل بطائرة خاصة عبر عدد من المطارات الأمريكية إلى العاصمة الإيطالية روما ثم إلى الأردن ثم نقل برا إلى سوريا. ، ليسجن في زنزانة انفرادية ضيقة لا تدخلها الإضاءة ويعذب أثناء احتجازه لمدة 12 شهراً تقريبا ، وإبّان ذلك قادت زوجته الكندية الدكتورة مونيا مزيج حملة للإفراج عنه انتهت بالفعل إلى إطلاق سراحه في الخامس من أكتوبر 2003 .

لكن القصة لم تنته عند هذا الحدّ ، إذ تبعتها مشاهد وفصول هي أقرب إلى الخيال بالنسبة لمن يقرأها في عالمنا العربي والإسلامي الذي تم فيه إهدار قيمة الإنسان وأصبحت مسألة المحافظة على كرامته واعتباره عرَضاً ليس ذي بال أو شأن . وبالتالي صار اعتقاله أو الإفراج عنه سيّان ، ونخشى أن نقول أن الأمر نفسه ينطبق على إدانته أو الحكم ببرائته ! إن اعتقال أي مواطن عربي ، سواء داخل بلده أو في أحد بلاد الله الواسعة ، وسواء على أيدي شرطة بلده وقواته الأمنية أو بواسطة سلطات ( القنص) الأمريكي ، وسواء تم وضع هذا المواطن العربي في سجون بلاده أو في غياهب غوانتنامو أو أخواتها ؛ سواء هذا أو ذاك فإن الأمر في نهاياته لا ينطوي على شيء من الغرابة في بلداننا العربية والإسلامية ولا يتجاوز الحالة التي اعتادت عليها على وجه الخصوص الأيادي المتوضأة وأصحاب اللحى الطويلة من أمثال ماهر عرّار الذي لولا أنه يحمل الجنسية الكندية لصار مجرّد رقم آخر يُضاف إلى مئات المعتقلين المهدورة كرامتهم وإنسانيتهم من أبناء العروبة والإسلام ، المغيبون في سجون الظَلَمَة والجبابرة،  الليل عندهم كما النهار ، والموت غاية ما ينتظرونه في حياتهم ، وهم على ذلك بلا محاكمات ولا إدانات .

بدأت الفصول الأخرى لقصة ماهر عرّار بعد إطلاق سراحه وعودته إلى كندا حيث طالب السلطات الكندية بتبرئة ساحته ورد اعتباره والتحقيق في دور الشرطة الكندية  في قضية اعتقاله من قبل الاستخبارات الأمريكية وبعد تحقيق مطول انتهى القاضي الكندي في سبتمبر 2005م  إلي أن ماهر ” تعرض للتعذيب في سوريا ظلما ، وأن الشرطة الكندية قدمت معلومات مشوهة إلي السلطات الأمريكية تسببت في إلحاق الأذى بمواطن كندي ” . وبناء على هذا الحكم رفع ماهر قضية على المدعي العام الأمريكي ورئيس الوزراء الكندي وعلى رئيس الشرطة الكندية وطالب فيها بتعويض يصل بالملايين. ووصفت الصحف الكندية ما جرى لماهر باعتباره ” العار الوطني ” ، بينما طالب زعيم حزب الديمقراطيين الجدد الحكومة الكندية بالاعتذار الرسمي لماهر وأسرته ، وتفاعلت قضيته في الشارع الكندي إلى أن شهد شهر يناير الماضي سلسلة من الاعتذارات والإقالات والتعويضات في كندا انصبت جميعها لصالح السيد ماهر عرار ، بدأت باعتذار من رئيس الشرطة الكندية جوليانو زكارديلي،  قال فيه : ” أعرب لك _ لماهر عرار- ولزوجتك ولأولادك علناً عن أسفي الحقيقي لكل ما اتخذته الشرطة من إجراءات قد تكون ساهمت في الظلم الرهيب الذي عانيت منه والألم الذي تحملته وعائلتك ” لكن الضغوط الشعبية لم يكفيها هذا الاعتذار  فكانت إقالة رئيس الشرطة الكندية ثمناً لهذا الخطأ . وفي 21 يناير الماضي تبنى مجلس العموم الكندي بالإجماع قراراً يعتذر فيه للسيد ماهر عرار عمّا لحق به وبعائلته من أضرار . وفي26 يناير نفسه قدّم ستيفن هاربر رئيس الوزراء الكندي اعتذاراً رسمياً لماهر عرّار  باسم الحكومة الكندية قال فيه : ” أود باسم حكومة كندا أن أقدم لكم اعتذاري عن أي دور قام به المسئولون الكنديون في المحنة الرهيبة التي عشتموها ” ثم قررت الحكومة الكندية صرف (12) مليون دولار كتعويض لماهر . إنها قصة لا نراها في بلداننا العربية والإسلامية إلا وفق ما تمليه الأمنيات ويرسمه في أذهاننا الخيال .

أضف تعليق