“الحمد لله .. فليبق بنك مصر، وليذهب ألف طلعت حرب” ولكن من هو طلعت حرب ؟! تعد حياة محمد طلعت بن حسن محمد حرب ، المولود في 25 نوفمبر 1867م بحي الجمالية بالقاهرة ؛ محطة في تاريخ مصر عامة وتاريخها الاقتصادي على وجه الخصوص، ولو لم يؤسس طلعت حرب غير بنك مصر وحده لدخل تاريخ مصر من أوسع أبوابه؛ حيث وضع بعبقرية اقتصادية نادرة الاقتصاد المصري على بداية المسار الصحيح .
يقول طلعت حرب في مقال منشور منذ قرن من الزمان بصحيفة الجريدة في عدد أكتوبر 1907 ” نطلب الاستقلال التام ونطلب أن تكون مصر للمصريين، وهذه أمنية كل مصري ولكن مالنا لا نعمل للوصول إليها. وهل يمكن أن نصل إلى ذلك إلا إذا زاحم طبيبنا الطبيب الأوروبي ومهندسنا المهندس الأوروبي والتاجر منا التاجر الأجنبي والصانع منا الصانع الأوروبي؟!! وماذا يكون حالنا ولا كبريته (عود ثقاب) يمكننا صنعها نوقد بها نارنا ولا إبرة لنخيط بها ملابسنا ولا فبريقة(مصنع) ننسج بها غزلنا ولا مركب أو سفينة نستحضر عليها ما يلزمنا من البلاد الأجنبية فما بالنا عن كل ذلك لاهون ولا نفكر فيما يجب عمله تمهيداً لاستقلالنا إن كنا له حقيقة طالبين وفيه راغبين !! أرضينا أن يكون التعليم قاصراً على تخريج مستخدمين للحكومة، وأن نكون في بلادنا غرباء، ولو غضب علينا الأجانب يوماً ومنعونا الملبوس والمأكول كما منعونا هذا العام لأمسينا جياعاً عرايا، علينا أن نكون عاملين في بلادنا على إحياء فكرة التجارة وملكة الصناعة في أبنائنا، إن واحداً من المصريين لم يفكر في عمل قهوة أو ( لوكاندة ) على ذلك النمط الأوروبي وبنظامه وترتيبه ونظافته، وإن الكثيرين منا يشترون ما يلزمهم من الأجنبي مفضلين إياه على مواطنيهم بحجة أن المصري لا يتقن عمله؟؟ أوليس عنده ما عند الأوروبي من نظافة وتوفر شروط الاتجار بنقده أو بتفهيمه بعمل ما يجب عليه أن يعمله وأرى البنوك ومحلات التجارة ملأى بالأجانب وشبابنا إن لم يُستخدموا في الحكومة لا يبرحون القهاوي والمحلات العامة.
وأرى المصري منا أبعد ما يكون عن تأسيس شركات زراعية وصناعية وغيرها، حتى إذا أسس الأجنبي شركة أخذ المصري يضارب في أسهمها كأنه مقدر عليه ألا يكون له الحظ في الغنم الحقيقي وكأنه لا يأتي إلا الأدنى من الأمور!! وأرى المصري يقترض المال بالربا ولا يرغب في تأسيس بنك يفك ضائقته وضائقة أخيه وقت الحاجة لأن البنك يشغل رأسماله بالربا وإذا أودع في بنك وديعة لا يأخذ عليها فائدة لذلك السبب ، وهو الذي يدفع الربا أضعافاً مضاعفة وقت اقتراضه”
نقل هذا الرجل ( طلعت حرب ) مصر – خلال العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي- من الاقتصاد الفردي إلى الاقتصاد الذي تديره الشركات المساهمة، وإلى المشروعات التي يملكها الوطنيون ويديرونها ويوجهونها نحو الصالح الوطني المصري العام، ومن الورش الصناعية الصغيرة إلى مصانع المحلة الكبرى للغزل والنسيج التي تشغّل مدينة بكاملها، ومن المشروعات المعزول كل منها عن الآخر إلى المشروعات المتكاملة أفقيا ورأسيا، ، وذلك في وقت كان فيه الأجانب يحتلون مصر بالكامل من أرضها إلى نيلها، ومن لقمة خبزها إلى جلابية أبنائها!
كان الأجانب -الذين كانت مصر تمتلئ بهم بعد أن قدموا إليها مع بداية تولي محمد علي حكم مصر- هم وحدهم الذين خاضوا تجربة تأسيس وإنشاء بنوك في مصر وفقا لنظام الاحتكار السائد والذي لم يسمح بظهور ثروات كبيرة بين المصريين.
وحتى الحرب العالمية الأولى سيطر الأجانب على جميع البنوك في مصر، حتى إن الحكومة المصرية أودعت أموالها لدى البنك الأهلي آنذاك بفائدة قدرها ( 1.5% ) مع علمها بأن البنك يرسل هذه الأموال إلى الخارج ، وبلغ الرأسمال الأجنبي في عام 1914م حوالي ( 91% ) من مجموع الأموال التي تُستغل في الشركات المساهمة التي تزاول نشاطها في مصر.
* هذا الموضوع منقول بتصرف من عدة مقالات ، هي :
– طلعت حرب .. الاقتصاد قبل السياسة للكاتبة ليلى حلاوة .
– أليس منكم طلعت حرب بقلم جميل بن محمد فارسي .
– قراءة جديدة فى مقال قديم جداً للكاتبة فاطمة حافظ .