وفي ظل هذا الحال ( سيطرة الأجانب على البنوك ، تأسيسا وإدارة ) كان صوت طلعت حرب هو الصوت الاقتصادي الذي رأى أن السبيل لتحرير اقتصاد مصر هو إنشاء بنك مصري برؤوس أموال مصرية صرفة، وأخذ يطوف القرى والنجوع داعيا لإنشاء بنك مصر، ولكنه قوبل بالسخرية والاستهزاء في أحيان كثيرة، إلا أنه لم ييئس.
طلعت حرب ساءه أن البنوك العاملة في ذلك الوقت في مصر كانت بريطانية الإدارة وفي خدمة اقتصاد المستعمر. كانت تقرض الفلاحين بضمان أرضهم، وجاءه ذات مرة فلاح يبكي قائلاً إنه اقترض من البنك برهن الأرض ثم وجد أن البنك عمل على تخفيض سعر المحاصيل عند الحصاد فاستولى البنك على أرضه سداداً للقرض، فلم يفارق مخيلته منظر الدمعة في عين ذلك المواطن حتى قرر في ابريل 1920م إنشاء بنكاً وطنياً وسماه بنك مصر، رأسماله (80 ) ألف جنيه ، وبقيمة (4) جنيهات فقط للسهم.
وكان طلعت حرب يقول عما ينوي أن يقوم به بنك مصر: “إنه سيشجع المشروعات الاقتصادية المختلفة التي تعود عليه وعلى البلاد بالربح العظيم، ويساعد على إيجاد الشركات المالية والتجارية والصناعية والزراعية وشركات النقل بالبر والبحر وشركات التأمين بأنواعها، كما يعمل على أن يكون لمصر صوت مسموع في شئونها المالية، ويدافع عن مصالحها كما تدافع البنوك عن مصالح بلادها”.
وكانت أول شركة قام بنك مصر بتأسيسها هي “مطبعة مصر” برأسمال قدره (5) آلاف جنيه، وتدرج رأسمالها إلى أن أصبح (50) ألف جنيه، ثم شركة “مصر للغزل والنسيج” في أغسطس 1927م بالمحلة الكبرى وبدأت برأسمال قدره (300) ألف جنيه، ووصل إلى مليون جنيه عام 1936م، وذلك بعدما شاهد المستعمر يشتري القطن المصري خاماً رخيصاً ويبيعه منسوجاً في بريطانيا بأغلى الأسعار فجعل البنك ينشئ مجموعة شركات مصر للغزل والنسيج العملاقة.
ولاحظ طلعت حرب الموقع الذي تحتله بلاده بين الشرق والغرب في بدايات الطيران فجعل البنك ينشئ شركة مصر للطيران (نعم، البنك هو الذي انشأ شركة الطيران الوطنية) ومد نشاط بنكه ليؤسس فندق مصر ، وأنشأ شركة مصر للسياحة ومصر للملاحة ومصر للتعدين ومصر للمحاجر ومصر للأنفاق والكباري ومصر للزجاج ومصر للحراريات وغيرهم . لقد علم طلعت حرب رحمه الله أن البنك له دور اجتماعي ودور اقتصادي فقام به على أكمل وجه، وغير ببنكه الخريطة الاقتصادية لمصر، بل أن بنكه هو أساس النهضة الاقتصادية والصناعية لبلده، بنك واحد أنشا (28) شركة عملاقة وساهم في تأسيس (62) شركة.
لم يوزع طلعت حرب أموال البنك في شكل هبات ولكن جعل كل من يلجأ إلى بنك مصر، وهو جاد، أمامه دعم لا متناهي من البنك حتى ينجح ، رغم أنه كان بنكاً تجارياً يستهدف الربح ويحقق لنفسه الربح ومن أرباحه ارتفع رأسماله من (80) ألف جنيه إلى ألفي مليون جنيه، هي ربح وعمل وطني في نفس الوقت. لم يقرض بنك مصر أحداً لشراء سيارة ولكنه أقرض لشراء تاكسي للعمل عليه، لم يقرض أحداً لقضاء إجازة الصيف ولكنه أقرض لشراء آلة للإنتاج، فمشاريعه خلقت مئات الآلاف من فرص العمل.
وعندما ضغط المستعمر البريطاني لعزله من البنك غادر مكتب رئيس مجلس الإدارة بعد أن تلفت للمرة الأخيرة إلى ذلك المكتب الذي رسم عليه آمال أمه، وقال برضى ” وإن عزلتُ فقد أنشأت جيلاً وطنياً وصناعة وطنية فكيف للمستعمر أن يعزل أمه؟ ” وبالفعل قدم طلعت حرب استقالته التي فوجئ بها الرأي العام المصري، وآثر الإبقاء على تاريخه عن إدارة البنك الذي أنشأه ورأسه. ويؤكد سكرتيره الشخصي أن العبارة الوحيدة التي خرجت من فمه وهو يغالب دموعه كانت: “لقد مت ولم أدفن!!”، ونقل بعض المقربين منه قوله عندما ترك بنك مصر: “الحمد لله.. فليبق بنك مصر، وليذهب ألف طلعت حرب” وقد توفي الرجل ودفن بالفعل في21 أغسطس 1941م.
وسيظل طلعت حرب علامة بارزة في تاريخ الاقتصاد المصري ، بل والعربي ونموذجاً قابلاً للاحتذاء لرجالات الاقتصاد في عموم وطننا العربي الذين أثقلتهم التبعية وأتخم الربح ، عقولهم ، وأعماهم عن الاستثمار الاجتماعي .. كثيرة هي الأفكار والمشروعات الإجراءات التي تنادي : أليس فيكم مثل طلعت حرب ؟!!