راصد

هل يريدونها منابر دراويش ؟!

تابعت ما نشرته الصحف عن خطبة سماحة الشيخ عيسى قاسم في صلاة الجمعة الماضية وتناولها لقضية الاستجواب المطروح في البرلمان ونصائحه للوفاق ، وبغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق حول هذا الاستجواب ، وبعيداً عن  موضوعه ؛ فإن ما يهمني ، والشاهد هاهنا ؛ هو ذلك البون الشاسع بين موضوعات خطب الجمعة عند إخواننا الشيعة وبين خطب الجمعة عند أهل السنّة والجماعة ، فتلك الخطب تتناول مسائل هي من صميم معايش الناس وقضاياهم ، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ما شابهها من القضايا والهموم المجتمعية التي لا نسمع لها ما تستحقه من ذكر أو ما يماثلها من على منابرنا ، كأنما خطبائنا غائبين أو مغيبين عنها !!

وقلت سابقاً أن بعض خطب الجمعة عندنا أصبحت – للأسف الشديد – قوالب جامدة ، وموضوعات مكررة ، فاقدة للنبض والحيوية ، لا تخرج عن بضع نصائح في فضائل الأخلاق أو مسائل في فقه الصلاة والطهارة والصوم ، إذا دخل شهر رجب انصبت خطبهم عن مكانته في حياة المسلمين وإذا حلّ شعبان رحبوا فيه برمضان ثم إذا استهلّوا الشهر الكريم توالت خطبهم عن أحكام الصيام والقيام ، بعد ذلك تتوالى أشهر الحج فلاتكاد تخرج خطبهم عن حدود مناسكه وأحكامه ، وهكذا عاماً بعد عام بحيث لا نبالغ إذا قلنا أن بعض خطبائنا قد اصفرّت أوراق خطبهم من قدمها وكثرة تكرارها ، وفقدت قيمتها في دنيا الناس واهتماماتهم . لا نقلّل من شأن تلك الفضائل والأحكام – حاشى لله- إلا أن مكان الوعظ بها وإلقائها ليس من على منابر الجمعة على هذا النحو الروتيني البائس . وإنما يمكن أن يكون محلها في المناهج الدراســية أو المعاهد العلمية أو دروس المساجد وحلق الوعظ والإرشاد وما شابهها.

ما يهمني في هذا الموضوع أيضاً هي تلك الأصوات والكتابات الموتورة ضدّ الدين والحساسة من العلماء والمشايخ ،  التي عادة ما تلاحق خطباء أهل السنة والجماعة الأفاضل وتطالبهم بالنأي بمنبر الجمعة عن قضايا الناس والبعد به عن السياسة وتجريده من نبض الشارع وعزله عن حيوية مشكلات الوطن وقضاياه لكنهم في المقابل يلوذون بالصمت وتخرس أقلامهم أمام منابر إخواننا الشيعة ولا نسمع نفس صراخهم وبكائياتهم التي يطلقونها على خطباء السنة !! وأحياناً – للأسف الشديد – تستجيب الجهات المسؤولة عن منابر الجمعة في جانبها السني ( مع كامل احترامنا وتقديرنا لجهودها )  لضغط ومزايدة تلك الأقلام والكتابات الموتورة والحساسة فتصدر توجيهات وتعميمات وتصريحات تمنع على خطبائنا الخوض في الشأن السياسي والمجتمعي والنيابي والانتخابي وما شابهها من أمور كأنما يُراد لمنابر الجمعة عند أهل السنّة والجماعة أن تكون منابر دراويش لا قيمة لها في حياة الناس ومعاشهم وعرض مشكلاتهم ومستجداتهم وقضاياهم وتوجيههم بخلاف منابر إخواننا الشيعة .

في الحقيقة ؛ منابرنا ومساجدنا ومآتمنا مراكز تثقيف وتعليم وتوعية لدين عُرف بشموليته لسائر مناحي الحياة ، صغيرها وكبيرها ، فلا يضيق عليه أحد هذا الاتساع والشمول  . ولذلك المطلوب من خطيب الجمعة – عند السنّة كما الشيعة –  أن يُعالج شؤون مجتمعه الذي يخطب فيه ، ويحيى فيه , فهذا هو أهم هدف من لقاء منبر الجمعة.

أضف تعليق