ولأن الموت مصير كل حي والغائب الذي لامناصّ من حضوره ؛ فقد انتقل إلى الباري في مساء يوم الخميس الماضي ملك أغنية البوب الأمريكي مايكل جاكسون عن عمر ناهز الخمسين عاماً إثر أزمة قلبية لم تمهله طويلاً . وذلك بعد حياة حافلة بالإثارة والغرابة عنوانها الغناء والرقص والانحلال والمجون ، إذ جمع أكثر من (750) ألبوماً غنائياً ، ورسم لرقصه أسلوباً فريداً وكذلك لمظهره الذي اشتغلت على إظهاره العديد من العمليات الجراحية التجميلية ، التي تارة تظهره في شكل امرأة وتعيده للرجولة تارة أخرى و( تحكّ وتقشّر ) في جلده حتى حوّلته من الإسمرار إلى البياض . كما لم يخلو مشوار عمره من قضايا وملاحقات قضائية منوعة لعل أشهرها ما يتعلق بالشذوذ والاعتداء الجنسي على الأطفال .
اكتسب مايكل جاكسون شهرة واسعة عبرت القارة الأمريكية وطافت مختلف دول العالم ولم تستثن دول عالمنا الإسلامي الذي صار – للأسف – مكبّاً للنفايات يستقبل بكل الترحاب والكرم كل متردية ونطيحة مادامت تحمل دمغة ( صُنع في الغرب أو أمريكا ) ثم أصبح لديه في دولنا – ناهيك عن دولهم – صولات وجولات ، ومعجبين وأتباع ، ينامون ويصحون على صوره وأصواته , ويقلدونه ليس في غنائه فحسب ، وإنما يرقصون مثله ويلبسون لبسه وأثوابه ، ويقصّون شعورهم مثله ، ويعرفون أخباره ويتابعون حركاته وسكناته أكثر مما يعرف بعضهم عن دراسته !
وأحدثت وفاة ملك أغنية البوب الأمريكي مايكل جاكسون صدمة في ربوع العالم ، تسارعت الفضائيات والصحف ووسائل الإعلام لنقل الخبر والتعبير عن الحزن وألم فقدانه ، وكان من بين أهم العناوين التي تعبّر عن ذلك ” العالم يعيش تحت الصدمة بعد وفاة مايكل جاكسون ” ! وبالطبع لم تخلو وسائلنا ووسائطنا الإعلامية العربية والإسلامية من الإشارة إلى هذا الحدث الجلل ، وبعضها صدّرته في مقدمات الأخبار أو شريطها الإخباري أو الصفحات الأولى وبعضها أفرد له صفحة أو عدة صفحات ، سوّدتها بتاريخ جاكسون الحافل بما تعرفون .
ولا يحتاج الإنسان إلى بذل كثير من الجهد والتفكير ليكتشف إن ما يحدث حولنا من الأمور المعكوسة والأهرام المقلوبة إنما تصب نحو ترسيخ الميزان الخاطيء للأولويات والاهتمامات ويسهم في تدمير الكفاءات والقدرات والخبرات ويغذي تنشئة شبابنا وفتياتنا على روح الكسل والدعة و( الدلاعة ) وإبراز هذا النوع من الأبطال والنماذج ( المائعة والمنحلّة ) ورفع شأن العبارة التي تقول عن واقعنا : ” لو وُضع خلخال راقصة مع مفكر بعقله وكتبه في كفتي ميزان لرجح خلخال الراقصة “
فعلى على سبيل المثال وليس الحصر انتقل إلى رحمة الله قبل أسبوعين ، في ذات هذا الشهر أيضاً الرجل الفذ والمفكر النابغة ، العلامة الشيخ فتحي يكن رئيس جبهة العمل الإسلامي في جمهورية لبنان الشقيقة ، وهو أحد الدعاة الأفذاذ الذين تتلمذ على يديه ونهل من فكره وكتبه عشرات الآلاف من أبناء الصحوة الإسلامية في مختلف دول العالم بما فيها أمريكا ودول أوروبا ، وتُرجمت كتبه لعدد من اللغات الأجنبية ، وبعدّة طبعات حتى غدت مؤلفاته – خاصة إبان السبعينات والثمانينات – مرجعاً ومرشداً لأغلب الحركات والجماعات الإسلامية . وكان فتحي يكن رحمه الله لاعباً ورمزا سياسياً في أوساط المجتمع اللبناني ، يُحاط بهالة من الاحترام والتقدير ، وصاحب مواقف ومبادرات سياسية واجتماعية معروفة ومشهودة ، ويُرجع إليه لوأد الفتن والخلافات وغالباً ما يكون على رأس شخصيات أهل الصلح ورأب الصدع .
وقد رثاه أحد اللبنانيين بقصيدة رائعة ومؤثرة عنوانها ” قمر لا يغيب ” جاء فيها “
ومع ذلك ، ورغم مكانته وإسهاماته العلمية والفكرية والسياسية والاجتماعية لم تنعيه وسائل الإعلام ، ولم تطريه بما يستحقه ، وأترك لكم المقارنة بين تناول وسائل إعلامنا لوفاة مفكرنا وعالمنا الشيخ الفاضل فتحي يكن رحمه الله أو ما يشبهه من الأفذاذ وذوي الأفضال وبين وفاة مايكل جاكسون ، ملك البوب الأمريكي أو أي فنان أو راقصة أو ممثل أو من في أضرابهم وفي مستواهم ممن تفرد لنعيهم الصفحات وتخصص لفبركة سيرهم برامج وسهرات .
في خضم الموازين المقلوبة والمقاييس العاجزة لا نملك إلاّ أن ندعو بأن يرحم الله الداعية والمفكر الإسلامي الكبير فتحي يكن وأن يلهم أهله وذويه وتلامذته الصبر والسلوان ويسكنه فسيح جناته وأن يرفع من قدره ومنزلته في عليين وفي الفردوس من جنانه . وعزاؤنا أنه يمضي الرجال وتبقى آثارهم .