البعض منّا قد يبرّر لنفسه من الأفعال ما لا يقبله من الناس ، فيُعطي لنفسه العُذر في التصرّف بطريقة يكره أن يعامله الناس بها ، وقد يحاسبهم حساباً شديداً لو صدرت منهم ذات تصرفاته . هذا البعض أيضاً يعوّل على الأوهام والظنون ، و كثيراً ما يلبسها أثواب الحقائق وقد يستذبح لأجل إثباتها حتى لو كان متيقنا ببطلانها ، ويستمتع بخداع نفسه دون أن يعلم أن سـنن الكون لم تزل كعادتها تكشف زيف الأوهام والظنون وعادة ما تعجّل الأيام اللحظات التي يسـتفيق فيها الإنسان ويرجع إلى نفسه باحثاً عن الصدق معها .
أحيانا يأخذنا الاعتزاز بأنفسنا ونرفض أن نعترف بالخطأ وأحيانا قد نخون أنفسنا ونضحك عليها ونخدعها بأن نزين لها أفعالها، ونضخم فيها عقدة ” الأنا ” إلى الحدّ الذي يحجب الرؤية السليمة للأمور ووزنها بما تستحقّه . أحياناً نتجرأ على تسفيه أفكار غيرنا ونتطاول بسبّهم والتشهير بهم – بالصدق أو الكذب والتدليس – لكننا لا نقبل ردّة فعلهم ونستكثر عليهم أن يعاملوننا بالمثل ، كأنما ذواتنا تختلف عن ذواتهم !
البعض قد يبلغ به الكذب مع نفسه مراتب غريبة فينفي عنها بضع ممارسات لا يستحي من القيام بها أمام الملأ أو في الأماكن العامة ، وقد يزعل إذا ما تم وصفه بها ، وقد يزبد ويرعد إذا وُوجه بها إلى الحدّ الذي يصدّق أنه لا يقوم بتلك الممارسات ، لكنّ أقدار الله لا تنساه ففي رسالة بعثها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه حين ولي القضاء جاء فيها قوله : ” ومن تخلّق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله “
من المؤسف أن البعض يؤخر لحظات الصدق مع نفسه ولا يعطيها الأهمية التي تجعله يراجع شتى أعماله وتصرّفاته ، ويضعها على الميزان الصحيح فيخسر روحه التي فيها جوعة للهناء والسعادة لا تتحقق إلاّ بتلك اللحظات التي غالباً ما يلجأ إليها البعض إلاّ متأخراً ، حينما يكون ذلك الرجوع صعباً ومؤلماً ومريراً . إنه وقت المصارحة والمواجهة مع النفس دون أن يكون لأي أحد سلطان أو دخل في تلك اللحظات . قال عيسى بن مريم عليه السـلام ” ما قيمة الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه “