بات مؤلماً هذا الذي نقرأه بين فترة وأخرى عما اصطلح على تسميتهم بمعتقلي الخلايا الإرهابية ، وهم مجموعة من أبنائنا وإخواننا الذين يتم القبض عليهم وجرجرتهم والتحقيق معهم وحبسهم من دون جناية ارتكبوها ولا تفجير نفذوه ولا حريق أشعلوه ولا .. ولا.. ولاشيء في مرتبة يستحقون عليها ملاحقتهم ونقلهم من سجن إلى آخر ، ومن تمديد حبس إلى حبس لمجرّد الشك في نية قيامهم بجريمة ! رغم أن النية ليست من أركان الجريمة وسبق لمحاكمنا بجميع درجات التقاضي فيها وأعلاها المحكمة الدستورية أن برّأت مجموعة سابقة تم القبض عليهم بنفس السيناريو تقريباً اعتماداَ على أن الشكوك والظنون وحدها لا تستدعي معاقبة الأبرياء ولا ترقى إلى إدانتهم والقبض عليهم وحبسهم ومضايقتهم والتشهير بهم عند أبنائهم وأهاليهم والإســاءة إليهم في مجتمع ناسهم على هذا النحو الذي قد يوحي بأن هنالك عملاً تخريبياً جرى أو تفجيراً انتحارياً وقع أو هجمات واغتيالات إرهابية حصلت بينما هي في مجملها ظنون وشكوك وسرائر ونيات ، وفقط .
ومما يزيد الأسف هو ما يتردد من أن التعامل مع هؤلاء المتهمين في نواياهم يتم وفق قانون حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية وليس قانون العقوبات في مفارقة واضحة مفادها أن ممارسة الجريمة والشـروع فيها وتنفيذها قد تأتي في مرتبة أخف من نية القيام بها ، وأن نية – مجرد نية – الحرق والتخريب قد تكون أشدّ وطأة وأفدح جرماً من الحرق والتخريب ذاته !
على أن أكثر ما يثير الحزن والأسى هو ذاك الصمت المطبق على العديد من الفعاليات السياسية والحقوقية إزاء هذه الاعتقالات التي لا نريد أن نعرض لمقارنات لما أصبح شائعاً في أيامنا هذه من فزعات بسبب أمور معينة تقوم لها الدنيا ولا تقعد ، وتخرج لها مسيرات وتصدر بها بيانات وتُنظّم عنها اعتصامات وتتضامن لها جمعيات ولجان حقوق الإنسان ولجان شفافية وحريات ويتسابق لأجلها خطباء ومحامون وتتشكل هيئات وفرق للدفاع عنها و… إلخ. ثم أمام أمور معينة أخرى شبيهة بتلك ولا تختلف عنها ؛ تمرّ بلا فزعات مماثلة ويكون ملاذها الصمت المريع بالضبط كما هو حاصل الآن مع هؤلاء الذين ستكون اليوم محاكمتهم وفق سكون وصمت قد ينطبق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” ولكن حمزة لا بواكي له ” وذلك حينما مرّ عليه الصلاة والسلام بعد غزوة أحد بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظَفَر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم ، ثم كلّما مرّ على أحد رآهم يبكون قتيلهم ؛ فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ، ثم قال : (ولكن حمزة لا بواكي له) وكان يقصد عمّه صلى الله عليه وسلّم الذي قُتل ضمن القتلى في هذه الغزوة ومُثّل بجثته لكن لم يبكيه أحد كما الآخرين . وقال عنه صلوات الله وسلامه عليه : (سيد الشهداء عند الله حمزة بن عبد المطلب) .