راصد

ولماذا لا ننشر أسماؤهم وأماكنهم ؟!!

كثيراً ما يستوقفني السؤال عن القيمة التي سيضيفها لي أو للجمهور الكريم قراءة أية أخبار تتعلق بجرائم أو حوادث نصب أو سرقة أو غش أو دعارة أو ما شابهها مما تغص به يومياً مختلف صحفنا اليومية طالما أن هذه الأخبار تتعلق بفاعل أو شركة أو مطعم أو فندق أو أي شخص اعتباري مجهول عند القراء ! ويستوقفني هذا السؤال أكثر ، فأكثر عندما يكون النشر الصحفي والإعلامي يتعلق بأحكام قضائية شهدت مرافعاتها ساحات المحاكم لعدة أشهر وربما سنوات ، ومع ذلك تُنشر هذه الأحكام  مبنية للمجهول!

على أن المصيبة ( مصيبة الحيرة والاستغراب ) تكبر حينما يكون نشر هذه الأحكام القضائية  لها علاقة بقضايا المجون والانحلال والدعارة حيث يتم نشرها كقالب شبه يومي لجناة مجهولين في أماكن ومواقع لا تتعدى فنادق أو بنايات أو صالونات أو صالات لا يتم تعريفها ، وذلك في صورة أقرب إلى التستّر عليها رغم  أن هذه الجرائم بالذات تحتاج إلى الفضح والتشهير بمرتكبيها ومدبّريها ومن يسهّل ويروّج لها ومن ( يعلف من ورائها ) .

حتى تتضح الصورة أكثر للفكرة التي تستوقفني وتحيّر معي كثيرون من المواطنين في عصر المعلوماتية والشفافية ؛ نشرت – على سبيل المثال – صحفنا المحلية يوم الخميس الماضي خبراً عن وجود تجاوزات في معهد التنمية السياسية ، وأن هنالك تحقيقاً مع مديره الدكتور الفاضل إبراهيم الرميحي ، ويُقال أنه تم الطلب من الرميحي ومدير مكتبه ومدير الشؤون الإدارية عدم الدوام لحين انتهاء التحقيق . أي أن هذا الخبر حدد المكان وذكر الأشخاص ، بل ونشرت بعض الصحف صورة الدكتور الرميحي . لكن في اليوم التالي ، يوم الجمعة تطالعنا الصحف المحلية بالخبر التالي : ” المحكمة الصغرى الرابعة تحسم خمس قضايا آداب .. الحبس والإبعاد لـ 79 متهماً ومتهمة .. وإغلاق فندق وثلاث بنايات بالمنامة ” ثم من يقرأ تفاصيل الخبر يجده يمسّ الأمن الاجتماعي والأخلاقي للمواطنين وقد قبضت النيابة العامة على مرتكبيها متلبسين وحققت معهم ورُفعت قضايا عليهم وقررت المحكمة حبسهم وإبعادهم وتشميع فندقهم وبناياتهم ؛ لكن : من هم ؟ وما أسماؤهم ؟ وما أسماء تلك البنايات والفندق ؟ لا يوجد ! مجهولين .

ويمكن للقراء أن يكتشفوا أن مثل هذا الخبر يصلح للنشر في صحف أية دولة أخرى طالما أن أبطاله مخفية شخصياتهم وغير معلومة أماكن جرائمهم . فلا اسم  الفندق أو البنايات الذي تم ممارسة الدعارة والخنا فيه معروفاً ولا اسم مالكه ومؤجره معروفاً ولا أسماء  القوّادين  (أعزّكم الله) معروفاً .. فمن يدري ربما بالفعل هي جرائم لم تقع في البحرين ! ثم ماهي القيمة المضافة لقراءتنا لمثل هذه الأخبار طالما هي محفوفة بكل صور الكتمان والسرية هذه ؟! ولماذا نشرنا – مثلاً – يوم الخميس عن تجاوزات في معهد التنمية السياسية ( ذكرنا اسم المكان ) وشهّرنا بمديره وذكرنا اسمه ، وهو الدكتور الفاضل إبراهيم الرميحي قبل أن يصدر حكم قضائي أو تظهر نتائج تحقيق وأغفلنا يوم الجمعة تحديد أسماء أماكن وأشخاص يديرون شبكات دعارة ويمارسون العهر والفجور وصدر بحقهم حكم قضائي ؟! إنها مفارقة عجيبة تستدعي أن يفكّ لنا أي أحد لغزها .. لغز ظهور الشفافية يوم الخميس واختفائها يوم الجمعة !!

 على أن أكثر ما يوحي بالخوف والإحباط هي العقوبات التي باتت تصدر من محاكمنا بشأن  مثل تلك الجرائم التي تعلن عن نفسها ولا تجد من يمنعها أو يقضي عليها أو يردعها ويمنع من تكرارها فضلاً عن وقف انتشارها واعتياد المجتمع عليها حتى كادت أن تكون من الجرائم التي تطرق الآذان دون أن تحرك شيئاً من الوجدان ، ولا تثير أياً من أحزان الغيرة على سمعة الوطن . ولو كانت العقوبات في مستوى فداحة تلك الجرائم ، ولو وصلت العقوبات لمستحقيها الفعليين من رؤوس الأفاعي في تلك الجرائم التي تتقزز الناس من قراءتها بشكل يومي غير مسبوق وتسيء لسمعة بلدنا الحبيب ، ولو كان مرتكبي تلك الأفعال منشورة أسماؤهم وصورهم بعد صدور الأحكام عليهم . لو كانت العقوبات كذلك لامتنعت النفوس المريضة أو لتريثت وأعادت حساباتها قبل أن تقدم على المغامرة بارتكاب جرائمهم ولأمن الناس واطمأنوا أن أحداً ليس من السهولة أن يتجرأ على التكسّب في العالم السفلي عن طريق الأعراض على النحو الحاصل مما طفح به الكيل وفاض .

أضف تعليق