نشرت الجزء الأكبر من مقالتي اليوم في الأول من شهر يوليو 2006م تحت عنوان ” وماذا بعد براءتهم ؟! ” عندما برّأ القضاء البحريني مجموعة من المواطنين ( ونضع خطاً تحت كلمة المواطنين ) من تهمة أقل ما يمكن أن يُقال عنها أنها لم يتوفر لها أي دليل يسندها أمام مختلف أنواع المحاكم التي عُرضت عليها ! لكن هؤلاء المواطنين اليوم ؛ بالرغم من براءتهم إلاّ أنهم قد أودعوا – دون وجه حق – في سجن كبير ، هم وأبنائهم و أسرهم . ولا حول ولا قوة إلاّ بالله .
يقول ذاك المقال المذكور : ” يروى في تاريخ الاغتيالات السياسية أن عبداً نجاراً حداداً في المدينة المنورة كان يصنع الرحاء ( جمع رحى ) وهي آلة لطحن الشعير ، وهي عبارة عن حجران مصفحان يوضع أحدهما فوق الآخر ويطرح الحب بينهما ، وتدار باليد ، فيطحن . أخذ هذا العبد الذي يدعى أبولؤلؤة المجوسي يتحين الفرص للانتقام من الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه . فلقيه عمر يوماً في طريق فسأله وقال : حدثت أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح ؟! فالتفت العبد عابساً إلى عمر .. وقال : بلى .. لأصنعن لك رحى يتحدث بها أهل المشرق والمغرب ، فالتفت عمر إلى من معه ، وقال : توعدني العبد . ثم مضى العبد وصنع خنجراً له رأسان ، مقبضه في وسطه ، فهو إن طعن به من هذه الجهة قتل ، وإن طعن به من الجهة الأخرى قتل ، وأخذ يطليه بالسم ، حتى إذا طعن به يقتل إما بقوة الطعن أو السم . قيل حينها لابن الخطاب احذر من تهديد المجوسي ووعيده بالقبض عليه ، فلم يفعل الفاروق ذلك متعللاً بأنه لا سلطان لي على نيّاتهم وسرائر أنفسهم !
لكن إخواننا الذين برأتهم في الأسبوع الماضي ( أواخر شهر يونيو 2006م) المحكمة الدستورية تم القبض عليهم وتوجيه التهم إليهم على خلاف المبدأ الذي أرساه الفاروق عمر بن الخطاب بأنه لا سلطان على النيات وسرائر الأنفس ، وأن النية ليست من أركان الجريمة ، ولا تستحق القبض على الناس وملاحقتهم وترويعهم ونقلهم من سجن إلى آخر ، ومن محكمة إلى أخرى لمجرّد الشك في نية قيامهم بجريمة ! ولمجرد اكتشاف تحريزات يقول عنها الأستاذ المحامي النائب فريد غازي أنها ” مجرد أدوية يُحتفظ بها في جميع البيوت في البحرين ويمكن شراؤها من الصيدليات بجانب خناجر تاريخية جُلبت من العمرة والحج وتشكل السكاكين الحادة في البيوت خطورة أكبر من هذه الخناجر “
غير أن المبرئين هؤلاء الذين بدأت قضيتهم في شهر فبراير 2003م مضت من أعمارهم وسني حياتهم وأفراد أسرهم ثلاث سنوات وثلاثة أشهر ، وعُرضت صورهم وبكت أمهاتهم وصرخت أبناءهم صرخات يبكي لها الحجر ، وتوقف قطار حياتهم لمدة تقارب الأربعين شهراً ، أُبعدوا خلالها عن وظائفهم ورفضتهم مختلف الوظائف التي بحثوا عنها. لقد عانى هؤلاء المواطنون وعائــلاتهم ،وهم : محي الدين خان ولديه (7) أبناء ، وبسام بوخوة ولديه (6) أبناء ، وياسر عبدالله كمال ولديه (4) أبناء ، وبسام العلي مختلف أنواع الحاجة والعوز ، فلا وظائفهم تقبلهم ، ولا وظائف جديدة تستقبلهم ، فمنهم الآباء الذي يعيلون أسراً وزوجات ومنهم الأبناء الذين في مقتبل العمر ويعتمد عليهم آبائهم وأمهاتهم ، لقد ديست كرامتهم وامتهنت حقوقهم وأرزاقهم ، ولازلت أذكر كيف كان الأخ النائب الشيخ محمد خالد – في إحدى المرات – يُغالب دموعه فلم يستطع منعها حينما كان يتحدث عن أحوالهم ومأساتهم وحاجاتهم وكيف استقبلت عائلاتهم أحد أشهر رمضان الثلاثة التي مرّت عليهم استقبالاً يختلف عن غيرهم من أهل هذا البلد .
ما يحز في النفس أن هؤلاء الذين برّأتهم ساحات القضاء تم التشهير بأسمائهم وصورهم والإساءة إليهم وإلى عائلاتهم وأرزاقهم في مفارقة واضحة وصريحة بين هؤلاء ( المتهمين الذين برأهم القضاء ) وبين أولئك المجرمين من مغتصبين ولصوص ومعتدين ( الثابتة إدانتهم بالأحكام القضائية ) لا تُنشر صورهم ولا أسمائهم حتى لو تم القبض عليهم في أحوال تلبّس كذاك الفندق الذي أغلقته النيابة العامة مؤخراً بعد مداهمته والقبض على عدد من الداعرين والداعرات فيه ، ولكن لم ينشر أحد أسمائهم ولا حتى اسم ذاك الفندق الذي تم إغلاقه !! بينما إخواننا الأسوياء من أصحاب اللحى والأيادي المتوضأة والجباه الساجدة لمولاها سبحانه وتعالى ، الذين برّأتهم المحاكم من تهمة النية وليس التلبس بالجرم طارت آنذاك الصحف بصورهم وأسمائهم على النحو الذي لا يمحي حجم هذه الإساءة وأضرارها إلاّ أن تتدخل قيادتنا الرشيدة بأياديها البيضاء المعروفة تجاه أبنائها فتعمل على تعويضهم وإعادتهم إلى وظائفهم وترد إليهم وإلى أبنائــهم وعائلاتهم اعتبارهم وحسـن معيشتهم ” انتهى المقال الذي نشرناه في الأول من شهر يوليو الماضي 2006م لكن إخواننا هؤلاء لم تزل معاناتهم وكأنما تم الحكم عليهم بالإدانة والسجن في مكان كبير اسمه ” وطنهم ” .
لا نريد أن نجري مقارنات لبيان الفرق بين الفزعات للذين يتم الإفراج عنهم بمكرمات وبين هؤلاء الصادرة بحقهم أحكام ببرائتهم ، ولا نريد أن نجري مقارنات لبيان الفرق بين وقفات وفزعات جمعيات ومراكز حقوق الإنسان مع هؤلاء وبين وقفاتهم وفزعاتهم مع غيرهم ؛ فهذه المقارنات من الوضوح والانتشار ما يغنينا حتى عن الإشارة إليها . ولكن يبقى السؤال : هل يُرضي أحداً هذه الحالة التي يعيشها هؤلاء المبرءين ؟ ومَن بيده رفع مظلمتهم وانتشالهم مع أبنائهم وأسرهم والإفراج عنهم من سجنهم الكبير الذي أودعوا فيه بغير حكم قضائي ؟!