ونحن نذرف دموعنا وقلوبنا تحترق على العراق ، والحزن والألم يعتصران القلب ، وقلوب كل العرب والمسلمين المخلصين الذين كانوا لايتمنون أن يحدث ما حدث للعراق . وقد تهاوت أمجاد بغداد الرشيد كما تتهاوى النخلة التي كانت تحاكي القمر، وكما تجردت الغصون من أوراقها، وتجردت الســـيوف من أغمادها .
وبعدما ارتهن الأمريكان أرضها وخيراتها وصارت موئلاً لجندهم وخيلهم ؛ لايسعنا إلا أن ننادي بأعلى صوتنا ” ياغازي ” مثلما نادى بذلك فضيلة العلامة الشيخ علي الطنطاوي رحمـه الله وأسكنه فسـيح جناته في مقالة له ضمن روائعه الأدبيـة الكثيرة ، ونشرتها جريدة ( البلاد ) العراقية في اليـوم الأخير من شـهر آذار عام 1939م ، وحملت عنوان ” يا غازي، يا غازي، يا غازي “
والمقصود هو الملك غازي بن فيصل بن الشريف حسين الهاشمي (1912 – 1939) وهو الإبن الوحيد للملك فيصل الأول ثاني ملوك العراق حكم من 1933 ولغاية 1939.. وقد عُرف حكمه بأنه ناهض النفوذ البريطاني في العراق واعتبره عقبة لبناء الدولة العراقية الفتية وتنميتها واعتبره المسؤول عن نهب ثرواته النفطية .
ومما جاء في مقالة شيخنا الفاضل علي الطنطاوي رحمه الله :
يا غازي، تدعوك الأيامى الثاكلات. يا غازي، يناديك اليتامى المظلومون. يا غازي، يستنصرك الضعاف العُزّل ، والعجائز الرّكّع ، والأطفال الرّضّع . يا غازي ، يهتف باسمك الشباب الذي يواجه بجسمه المصفحات، وبصدره الدبابات، ويحارب الدولة الطاغية الغاشمة، لا سلاح له إلا إيمانه وأمله بالله، ثم بالعرب وبك يا مليك العرب، يا غازي!
يا غازي، دعوةَ غريق ينادي منقذه القوي!
يا غازي، هتافَ مريض يدعو طبيبه الآسي!
يا غازي، إهابةَ مشرف على اليأس بالسيد المأمول!
يا غازي، صرخةَ الدم، واللغة، والدين، والمجد، والجوار.
يا غازي، لقد نادت امرأة واحدة في سالف الدهر: ((وامعتصماه)) فاهتزّ لها هذا العرش، عرشك، وماج لها هذا الشعب، شعبك، وخرجت الجيوش، جيوش بغداد، فلم ترجع إلا وفي ركابها المجد والنصر.
فمن غيرك وغير العراق لهذه الأمة التي حملت البلاء، ورأت الشدائد، وشاهدت ألوان الموت، وخانها الحليف، ونقض عهده لها القوي، وجرَّد دباباته الضخمة ومدافعه وعتاده ليحارب بها النساء والأطفال والشيوخ؟
من غيرك وغير العراق لهذه الأمة التي تنادي اليوم : ((واعراقاه))، ((واغازياه))! فقم يا أيها ((المعتصم))، لبّها على ((الخيول البلق))، فإن كُتّاب التاريخ أعدوا صحفهم وأمسكوا بأقلامهم ليكتبوا المفخرة مرة ثانية للعراق، ولملك العراق. إن الأمة التي أحبّت فيصلاً وأحبها فيصل تناديك اليوم، يوم الخطب، يا ابن فيصل.
إن الشعب الذي بايع فيصلاً هو على بيعته لك، فهل تضيع شعبك يا أبا فيصل؟
إن القصر الذي كان يسكنه أبوك ملكاً، والذي كنت تلهو في حدائقه طفلاً، هو اليوم مقر عدو العرب؛ منه يصدر الأمر بتقتيل رجال العرب ونساء العرب، يسكنه اليوم العدو الذي بغى على فيصل وسرق منه عرشه، فأنقِذ تراث فيصل من عدوّ فيصل، وعُدْ أنت إلى قصر فيصل يا ابن فيصل!
يا غازي، الشباب الذين سقطوا في شوارع دمشق شهداء البغي، ماتوا وهم يهتفون باسمك: يا غازي. العجائز تلقين أبناءهن المصرعين على أرض الوطن وهن يهتفن باسمك: يا غازي!
يا غازي، كم من طفل وطفلة عدا عليهم الظالمون، فتلفتوا حولهم يفتشون عن المنقذ الذي حفظوا اسمه، ورفعوا رؤوساً يسيل من جراحها الدم وأشاروا إلى الشرق بأصابعهم الصغيرة المخضبة بالنجيع الأحمر، ونادوا اسمك: يا غازي!
يا غازي، بك علقوا الآمال ومنك ينتظرون العون، أفتدع هذا الشعب بين براثن الوحوش يعبثون بكرامته وأمجاده وحياته، وكرامته كرامة العرب، وأمجاده أمجادهم، وحياته حياتهم؟ أتتركهم يموتون، وبغداد تستروح رائحة الربيع العطر وتستمع إلى جرس النشيد الحلو وتنام على فراش النعيم؟ يا مليكي، هذا يوم من أيام التاريخ له ما بعده، فلا يقولن التاريخ: يا ليتهم نصروا الشام في وقت محنته! يا ليتهم لم يدعوه رهن الحديد والنار!
الشام في كرب شديد… الشام في ضيق. لقد ضج لما يعاني الشام قبرُ محمد ، يا سليل محمد! لقد اهتز الحطيم وزمزم، ومادت جبال مكة، يا حفيد شريف مكة! يا مليك العرب: الشام يدعوك، الشام يستجير بك؛ الشام يهتف باسمك: يا غازي، يا غازي!