راصد

” يــابَخْتُــه “

إنّ خير ما يسافر إليه الإنسان هو البيت العتيق ، مكة المكرمة فعن ‏جابر بن عبد الله رضي الله عنه : عن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏أنه قال : “‏ ‏إنَّ خَيْرَ ما رُكِبَتْ إليه‏‏ الرَّواحِلُ ‏‏: مَسْجِدِي‏ ‏هَذَا ‏، ‏والبَيْتِ العَتِيقِ “0 ومن هنا يجب في هذه الأيام على المسافر إلى البيت الحـرام لأداء مناســك الحج ، أن يستشعر حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم ، وأن يعي مِنّة الله عليه وفضلَه ، أن هداه لهذا السفر المبارك مع وفود الرحمن في الوقت الذي يسافر فيه البعض من المسلمين يمنة ويسرة لإمضاء إجازة العيد للترويح ، أو لتحصيل شهوة قد تكون محرمة  .

 كما لابد للحجاج والمعتمرين أن يتذكروا نعمة الله عليهم أن يسّر لهم السفر والوصول إلى تلك البقاع المقدسة ، في الوقت الذي يتمنى ويشتاق كثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الوصول إلى مكة المكرمة  فلا يستطيعون إما لعجز أو لقلة ذات أيديهم أو لغير ذلك من الموانع التي حالت بينهم وبين مأوى أفئدة المسلمين ومحل أشواقهم ومحط أنظارهم !

مكة المكرمة التي قال عَبْدَ اللَّهِ بن عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ : رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وَاقِفٌ ‏ ‏بِالْحَزْوَرَةِ ( على مشارف مكة ) ‏ ‏يَقُولُ: “‏ ‏وَاللَّهِ إنّـَكِ لَخَيْرُ أرْضِ اللَّهِ، وَأحَبُّ أرْضِ اللَّهِ إلَيَّ، وَاللَّهِ لـولا أَنِّي أخْرِجْـتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ ” ويأتي ذات مرة أصيل ، وهو أحد أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلّم  من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، فتسأله السيدة عائشة رضي الله عنها: كيف تركت مكة يا أصيل؟ قال: تركتها وقد أزهر نورها وأشرق ثمامها .. فيلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دمعت عيناه ويقول : يا أصيل، دع القلوب تقر..

ولهذا يُقال أنه لما رأى أحد الصالحين الحجاج وقت خروجهم من بلدهم إلى مكة يريدون الحج وقف يبكي ويقول: واضعفاه .. ثم تنفس وقال : هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت .

في شهر رمضان المبارك الماضي ، وفي العشر الأواخر ، وبينما كان العبد الفقير كاتب هذا المقال في سطح الحرم المكي بالقرب من سوره الذي يطلّ على الكعبة المشرّفة في فناء الحرم ، وقف بجانبي ثلاثة من الإخوة المصريين ، وكان منظر الطائفين حول البيت العظيم من موقعنا في هذا العلو الشاهق لا تنقصه المهابة ولا يخلو من الرهبة وتعجز الألسنة عن إيفائه حقّه من روعة الوصف ؛ سمعت أحد الثلاثة المصريين يقول : اللهم ارحمنا من رحماتك الواسعة  ، وأخذ يردّد هذا الدعاء كثيراً حتى أثار فضولي فسألته عن سبب إلحاحه بطلب رحمة المولى عز وجل ، فعلّمني – كعادة إخواننا المصريين دائماً  – حديثاً شريفاً عظيماً ، قال روى  ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : ” يَنْزِلُ عَلَى هَذَا اَلْبَيْتَ في كُلِّ يَوْمٍ مِائَة وَعِشْرُونَ رَحْمَةً : سِتُونَ لِلْطَائِفِينَ ، وأرْبَعُونَ لِلْمُصَلْينَ ، وعِشْرُونَ لِلنَّاظرين “0

وبينما كانت قلوبنا – كالمئات من المعتمرين – في ذاك الموقف مأسورة بروعة المكان والزمان ورهبته صاح أحد المصريين الثلاثة : بُس ، بُس ، يا بَخْتُـه .. وكان يشير بيده إلى جنازة محمولة على الأكتاف تشقّ طريقها بين جموع  الطائفين والمصلين .

أضف تعليق